air jordan sale,cheap air jordan salewww.jordangogo.com,www.calcioxp.com

Golden Goose Sneakers Sale - Golden Goose Outlet,Golden Goose Sneakers Sale - Golden Goose Outlet

خطابات القيادات الجديدة في ظل الثورات العربية

خطابات القيادات الجديدة في ظل الثورات العربية

قيم الموضوع
(0 أصوات)

حوار مع الدكتور فتحي ملكاوي

بسم اللهالرحمن الرحيم

خطاباتالقيادات الجديدة في ظل الثورات العربية

حوار مركز نماءللبحوث والدراسات في الرباط مع فضيلة الدكتور فتحي حسن ملكاوي

أجرى الحوار الدكتور رشيد الجرموني يوم الخميس 24/5/2012م في مدينة الرباطبالمملكة المغربية

ونشر على موقع المركز في ثلاث حلقات: http://nama-center.com/DialogueDatials.aspx?Id=20

يتميز هذا الحواربقدر كبير من الجرأة النقدية لخطابات الإسلاميين بعد الربيع العربي، كما يتميز بقدركبير من الإنصاف والموضوعية، إذ يضع الدكتور فتحي ملكاوي - أحد أبرز القياداتالمنظرة في المعهد العالمي للفكر الإسلامي ورئيس مكتب الأردن لهذه المؤسسة- يده على الملفات الساخنة، ويطرح الأسئلة الحارقة ويخضع كل الأفكار والمفاهيم التيتم الاعتياد على اعتبارها مسلمات على أرضية التشريح العلمي المخبري، ويوجه العقلالمسلم إلى العناوين الكبرى للمرحلة والأولويات التي ينبغي الاشتغال عليها، ويدعوإلى الانتقال إلى مرحلة الخيارات والبرامج والمشاريع، ويؤكد على مركزية قيمةالحرية في المرحلة القادمة وضرورة أن تحظى بقدر كبير من العناية من لدن الإسلاميين.

* معالثورات العربية، دخلت المنطقة العربية في مسار منالتحولات الكبرى: السياسية والاقتصاديةوالاجتماعية، بل إن رياح هذه التحولات مست حتى الجانب المعرفي والعلمي، إلى درجةأن بعض المتخصصين في العلوم الاجتماعية تحدثوا عن صدمة في محاولة تفسيرهم للأحداث.في تقديركم ما هي أبرز التحولات التي طرأت على الفكر الإسلامي بعد الثورات وبعد وصول الإسلاميين أو اقترابهم منالوصول إلى السلطة؟

لا أدري هلالتحولات التي تقصدونها في سؤالكم، قد حدثت بالفعل أم أنّ المنطقة العربية لا زالتفي طريقها إلى التحول. فالحقبة الزمنية التي مرت حتى الآن منذ انطلاقة الثوراتالعربية حقبة قصيرة، قرابة سنة وبضعة أشهر، والتغير في الفكر لا يتم بسرعة تتوافقمع سرعة وقوع الأحداث، فأنا لست متأكدا من أن ثمة تحولات حصلت في الفكر الإسلامي،لكن يمكن القول بأنه قد برزت أولويات تشير إلى ضرورة الاهتمام بقضايا فكرية أكثرمن غيرها. لقد برزت حالات تستدعي إعطاء أولوية لأنماط من التفكير أكثر مما كانيتاح لها، أو صارت أكثر راهنية مما كانت عليه في المرحلة السابقة.

وعلى العموم، لا ألمح تحولاً بارزاًيمكن الإشارة إليه، ومع ذلك فإنه يمكن القول، بأنَّ قدراً منالوعي على قضايا محددة في التفكير الإسلامي قد أخذ بالظهور. مع تزايد الاحتمالاتفي أن يدخل الإسلاميون، مرحلة إدارة الشأن العام، وتدبير قضايا السلطة والحكم. والإسلاميون الذين أخذوا مواقع في السلطة يشعرون بأنّتغيراً فكرياً لا بد أن يحصل، وأنّ حتميةهذا التغيّر مرتبطة بالانتقال من موقع الدعوة إلى موقع الدولة، أو مرتبطة بتغيرموقع الحركات والأحزاب الإسلامية من دور المعارضة إلى السلطة، أو مرتبطة بحصولتحول من واقع التهميش والإقصاء في الإعلام والوظائف إلى تحمل المسؤوليات... هذا التغيرلا بد من أن يحصل، وما من شك في أنه قد بدأ يحصل، لكن مظاهره لم تأخذ تمثلاتهاالعملية بعد، لتصبح هدفاً للملاحظة والدراسة، على المستوي الفكري والمنهجي، رغمطوفان المماحكات الإعلامية التي تبحث عن مظاهر العجز دون غيرها. ما حدث في المغرب حتىالآن يصلح أن يكون منطلقاً لتتبع اتجاهات التغير والتطور، لكن تتبع ما يحدث حتىالآن في البلدان الأخرى أكثر صعوبة، حيث لا يزال مخاض التغيرات لم يأذن بالاستقراربعد.

وتقدير ما حدثوما يمكن أن يحدث من تغير في أنماط التفكير وفي الصياغات الفكرية المنشودة يختلفوفق المكان الذي ينظر منه الناظر، فالناظر من خارج دائرة الإسلاميين يجزم بأنالواقع الجديد الذي ينتظره الإسلاميون أو ينتظر الإسلاميين، سيفرض عليهم تغييراًلا محالة في منهجية التفكير في القضايا المطروحة، والتحرر من قيود النمطية التيسادت في السابق، التي كانت تقيد حركة التغيير والتطوير. أما الذي ينظر من الداخل،فسوف يجد أنَّ أمر التغيير ليس سهلاً، لأنَّه يطال قناعات فكرية متجذِّرة، ومقولاتعزيزة على النفس، استقرَّت لفترات زمنية متطاولة، وأصبحت الهوية المميزة لأفرادوحركات وتنظيمات، يخشى أن يؤدي التغيير فيها إلى فقدان المصداقية والمرجعية.

* هل يمكن أن نذكر مثالاً توضيحياً على قضيةفكرية حدثت في التغيير أو يلزم أن تحدث؟

يمكن أن نذكرأمثلة تتصل بالبنية التنظيمية للحركات الإسلامية والتأطير السياسي العملي لها،وطبيعة الخطاب الإسلامي. مثلاً لا خلاف على ضرورة الانتقال من خطاب الدعوة إلىخطاب الدولة. لكن هذا الشعار العام، يتضمن تفاصيل لا تتيسر متطلباتها فور الإحساسبهذه الضرورة والاقتناع بها. فالتمييز بين خصائص الخطاب الدعوي التنظيري، وخصائصالخطاب السياسي التنفيذي قضية فكرية تحتاج عناصرها بعض الوقت حتى تنضج الآراءفيها، ويحصل قدر من التوافق حولها، وتتراكم الخبرة والتجربة في ممارساتها.

بعض الحركاتالإسلامية مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة النهضة في تونس، ليست أحزاباًسياسية بالمعنى الدقيق، إن الانتقال في البنية التنظيمية من حركة إسلامية شاملةإلى حزب سياسي يشتغل بأدوات الأحزاب السياسية المعروفة ضمن القوانين والأعراف الرسمية،أو بقاء البنية التنظيمية للحركة مع بنية تنظيميه جديدة أخرى للحزب جنباً إلى جنب،مع ما يحصل من تداخل في المرجعيات؛ هذا الانتقال يمثل تحدِّياً نفسياً وإدارياًوقانونياً. والتأطير الفكري لعملية التحول وتعديل الأوضاع لا بد أن يرافقه تطويرأفكار جديدة في السياسات الداخلية والعلاقات التنظيمية وعمليات اتخاذ القرار، وسوفتمر عملية التحول بكثير من تنازع الصلاحيات وتعدد الاجتهادات، قبل أن تستقر الأمورعلى ما تفرضه متطلبات الواقع العملي الذي لا تحدده الحركات والأحزاب وحدها، وإنمايشارك في تحديده التشريعات والقوانين النافذة من جهة، وضغوط الجماعات السياسيةوالتيارات الفكرية الأخرى في المجتمع من جهة أخرى.

إنَّ التغييرفي بنية التنظيمات والحركات الإسلامية يقتضي بالضرورة تغيراً في ألوان الخطابالسياسي الذي تقدمه هذه التنظيمات، إضافة إلى التسويغ اللازم لهذا التغيير. وللاقترابمن الألوان الجديدة للخطاب التي تفرضه الوقائع من الخارج على هذه التنظيمات، وتقتضيهتوقعاتهم وخططهم لأنفسهم من الداخل، ربما يتطلب حواراً داخلياً وخارجياً، تشارك فيتنظيمه إدارات ومؤسسات، وتقام له ندوات ومؤتمرات، وحلقات بحث، لتوليد الأفكاروالاجتهاد في صياغتها، والموازنة بين البدائل والاختيارات. وكل ذلك يقتضي تحولاًفي موقع القيادات الفكرية التقليدية، التي يكون فيها الاعتداد بالعلم الشرعي،والبعد الفقهي، والسبق التنظيمي، والتاريخ النضالي، وقوة الشخصية، باتجاه تقاليدجديدة تضيف إلى كل ذلك طرقاً أخرى في توظيف الخبرات، واتخاذ القرارات، والموازنةبين الأولويات.

ولنضرب مثلاًآخر على التغيير المتوقع في الخطاب الإسلامي.

يردد العاملون في الحقل السياسي مقولة: "لا تخاطبنيبالمقدس أو بالنصوص، الذي بينى وبينك خاطبني بشأنه ببرامج سياسية، أما الذي بينكوبين الله فهو لك." وكثيراً ما تستخدم الفئات العلمانية هذه المقولة بطريقة استفزازية،تنتهي بصور من المنازعة تجعل الأطراف المتنازعة لا ترى إلا ما تريد رؤيته، فمع أنالإسلاميين يمكن أن يقدموا فعلاً برامج سياسية عملية، لكن لغة الخطاب وما قديصاحبها من ظلال دينية هي ما يكون موضع النظر، ومن ثم الاعتراض عند العلمانيين.وكذلك يفعل الإسلاميون عندما ينظرون إلى برامج غيرهم، ويلاحظون أن مرجعية البرنامجخبرات أجنبية، أو شخصيات ليس موضع ثقة بحكم تاريخها في العهود السابقة. وموطنالملاحظة في هذا المقام هي الثقة المفقودة بين الطرفين، التي كان يغذيها البعدوالجفاء وتجارب الإقصاء بينهما. ورغم متطلبات التعاون والعمل المشترك الذي لايُحتمل فيه تفرد طرف في الشأن العام وإقصاء الطرف الآخر، فإنَّ هواجس سوء الظن،سوف تبقى تفعل فعلها، إلى أن تتراكم خبرات التقارب والتعاون والعمل المشترك، بصورةتؤدي إلى بناء جسور الثقة الكافية للتوقف من الشعور بالحساسية من المفردات الدينيةعند العلمانيين، والتوقف من الشعور بالتوجس من توظيف خبرة الخبراء وكفاءاتهم فيمايخدم المصلحة العامة، عند الإسلاميين.

لقد ألِف الإسلاميون أن تكون مقولاتهم وبرامجهم مستمدةمن منطلقات عقائدية ومرجعيات إيمانية، ولذلك تأتي هذه المقولات والبرامج، حتى لوكانت سياسية بحته، محملة بلون من الخطاب الديني المشحون بالقطع واليقين. وألِفواكذلك أن تأتي برامج الفئات الأخرى بصورة "وضعية، وجافة" تقوم على الحسابوالإحصاء والاحتمال. ومع أن التحول بدأ بالفعل، لكننا لم نلمسه بعد، لأن مجموعالخطابات التي نسمعها الآن لا تزال مثقلة ببنية الخطاب الديني بالمعنى الداخليالدعوي الوعظي المبني على آمال وتطلعات. في الواقع ما نراه اليوم من خلال تتبعمجموع الخطابات، يؤشر على أن هناك رغبة في التغيير وليس بناء خطة التغيير وتحويلخططه إلى برامج. وبطبيعة الحال فإن الإسلاميين في البلدان المختلفة ليسوا كلهمسواء في هذه المسألة، وإنما يتفاوت الأمر عندهم من بلد إلى آخر، وفق التحديات التيتواجههم والخبرات التي يواجهون بها هذه التحديات.

ولذلك، فالحاجة اليوم أصبحت ماسة إلى إنشاء مؤسسات تضطلعبدور تطوير الخطاب السياسي مثل الأحزاب السياسية التي تؤسس على قوانين وضعية يشتركفيها الإسلاميون مع غيرهم، بينما كان الإسلاميون في مرحلة الدعوة يستمدون مبادئهممن منطلقاتهم العقدية ومرجعيتهم المطلقة.

- فيما يتعلق بلون الخطاب السياسي، جرت عادة الأحزاب المعارضة أن تكشف عوراتوسوءات الحزب الحاكم، لكن من المؤكد أن هذه الأحزاب المعارضة عندما تصل إلىالحكومة سيكشف غيرُها عوراتِها. ثم إنها في المعارضة سائلة غير مسؤولة، بينما هيفي السلطة مسؤولة أمام القوى والأحزاب الأخرى، ومسؤولة كذلك أمام الشعب، يحاسبهابكافة أطيافه: الفقراء قبل الأغنياء وعامة الناس قبل خاصتهم. وهذا التبدل من موقفالمعارضة إلى موقف المسؤولية يتطلب تغييرات ليست قليلة في لهجة الخطاب، وفيموضوعات الخطاب، وفي مناهج التعامل مع الرأي الآخر، والقوى الأخرى التي ربما تكونفي موقع المعارضة لها، والتحدي لبرامجها، والزخم الإعلامي المعارض الذي يبحث عنجوانب الخلل والقصور في الأداء ويقوم بتضخيمها.

- لقد شكلت ممارسات الظلم والفساد والاستبداد التي عاشتها معظم الدول، عواملضغط ثقيلة الوطء على نفوس الناس عامة والإسلاميين خاصة، جعلتهم ينظرون باليأس مناحتمالات التغيير في المستقبل وصعوبة توفير إمكاناته، فهم لا يتوقعون أن يقومالأشخاص الفاسدون بأي تغيير نحو الأفضل، ولا يتخيلون كيف سينتهي عهد الفسادوالاستبداد، أو كيف يصل الصالحون إلى مواقع السلطة والتمكين. بعد انتهاء هذهالمرحلة، والدخول في مرحلة جديدة، لعل من ألزم اللوازم التخلص من آثار الروحالمتشائمة التي كانت تعتمل في خطاب الحركة الإسلامية، وتطوير روح متفائلة، تزرعالأمل، فهي لا تستطيع إقناع الناس بتوجهاتها وبرامجها إن لم يكن لديها هذا الشعوربالتفاؤل والأمل.

ونظراً لسيادة تلك الروح المتشائمة، واليأس من إمكانيةإصلاح الواقع الخارجي، فقد امتلأ الخطاب الإسلامي في تلك المرحلة بالتركيز علىأضعف الإيمان، أن تنكر المنكر بقلبك، وتكره ظروفه وأوضاعه وقوانينه، حتى لو اضطررتإلى تنفيذها مكرها، ومن ثم يأتي الوعظ بضرورة القيام بما نقدر عليه، وهو إصلاحالنفوس وتغيير دواخلها، ومن أجل ذلك تحشد الشواهد من نصوص القرآن والحديث لتسويغهذا اللون من الخطاب، فالله سبحانه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعليكمأنفسكم، لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم. وربما يتجاهل من يستشهدون بهذه النصوصالتصويب الذي قدمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في فهمها.

وكما نعلم، فإن غالبية أفراد المجتمعات العربية، كانتمقصاة من الحياة السياسية، ومن المشاركة في العملية الديمقراطية. الآن تغير الأمر،فالجماهير هي التي غيرت الأمور، ورغم أن غالبية هذه الجماهير غير مؤطرة في تنظيماتتقود حركتها، فإنها أصبحت في الظروف الجديدة قادرة على الحركة ورفع الصوتبالاحتجاج، وستجد من أجهزة الإعلام من ينفخ في مطالبها واجتجاجاتها، ولذلك سيكونعلى القيادات الجديدة أياً كانت هذه القيادات أن تطوراً خطاباً يقنع هذه الجماهير،والخطاب المطلوب هو البرامج التي يمكن أن تلمس الجماهير أثرها المباشر. ولا شك فيقيمة برامج التوجيه والتوعية والإعلام التي تولد قدراً من الحشد والزخم للأوضاعالجديدة، لكن ذلك لا قيمة له إذا لم تطرح برامج تنموية واقتصادية تتولى تحسينالأوضاع المعيشية للناس، فهذا في الأساس ما تنتظره شرائح شعبية واسعة عانت طويلاً منالبطالة والفقر والتهميش.

* هل يمكنالحديث عن تشابه التجارب الإسلامية في الدول العربية؟ أم أن الاختلاف والتباين هوالسمة الغالبة؟

في تقديري، أنَّالتشابه في التجارب سيكون قليلا، والسبب في ذلك أنَّ كل فئة من فئات الإسلاميينستكون متأثرة بسياقاتها وظروفها المحلية، وبالتحديد بما كان من هذه الظروف وليسبما يجب أن يكون. فمثلا، هناك فرق كبير بين تونس ومصر: فالحركة الإسلامية في تونسكانت مقصاة نهائيا عن الحضور في الشارع، وقياداتها كانت منفية في الخارج، أما فيالداخل، فالأمر كان جد صعب بالنسبة لأبناء هذه الحركات.

في مصر، كان الإسلاميونفي الشارع، وكانت قياداتهم معروفة، هذا لا يعني أنهم لم يكونوا محاربين ومقصيين منالإعلام والوظائف وغيرها من المرافق العامة للدولة، لكن رغم كل ذلك، فإن الحركة الإسلامية كانت حاضرة في المجتمع ومؤثرةوفاعلة بقوة. فرغم أن النظام رتب تشريعاته وطبقها بصورة بلغت الحد الأقصى منالظلم، محاولاً إبقاء المعارضة في الهامش، والحد من حضورها وفعاليتها، لإلغاءأثرها في الواقع... إلا أنه رغم كل هذا التضييق والخناق، فإن الحركة الإسلاميةكانت لها خدمات، والناس يشعرون بها، لذلك فلا غرابة في أن يكون لها قدر من التأييدالشعبي ليس بقدر ما ناضلت وضحت ونالت من العناء وحسب، وإنما بقدر ما كانت تقدم للناسمن الخدمات.

أما فيالمغرب، فقد كانت الحركة الإسلامية موجودة، ولها دعوة وحركة وحزب سياسي، ولها حضورفي الشارع، ولها مؤسساتها القائمة، ولها خدماتها ولها أطرها وكوادرها، لكن طبيعةالنظام السياسي وتشريعاته لم يكن يعطيها الفرصة لتجريب برامجها. والظروف الجديدةفي المنطقة قادت إلى إصلاحات في التشريعات بدأها النظام بنفسه بإجراء تعديلاتدستورية أعطت وزناً أكبر لحرية الاختيار عند الجمهور، فاستفادت منها الحركةالإسلامية وأتيحت لها فرصة لتطوير برامجها ووضعها موضع التنفيذ. عادة في الأنظمةالملكية، يحرص رأس النظام على استقرار المجتمع، ولا يغامر بهذا الاستقرار، بل يتيحهامشاً للحرية ما دام الجميع يدعو إلى الإصلاح بصورة لا تهدد النظام. حرصه على الاستقرارقد يدفعه أحيانا للتضحية حتى ببعض امتيازاته، ويبدو أن هذا هو الذي حصل في المغرب،وحصل جزء قريب منه في الأردن.

ما يمكن أننخلص إليه، هو أن هذه التجارب ستكون مفيدة للباحثين والمفكرين حتى يستخلصوا منهانماذج للتفكير، ربما تكون تجربة تونس، حينما قررت حركة النهضة اقتسام السلطةوالمشاركة مع القوى الأخرى. خطوة عدّها كثير من المحللين تعبيراً عن قدر من النضج والحنكةالسياسية التي تتميز به هذه الحركة.

وكان يتوقع أن يكون اجتهاد الحركة الإسلامية فيمصر مشابهاً، وقد كانت خطواتها في البداية تؤشر على هذا الاتجاه، لكن طبيعةالظروف، ونوعية التحديات، وحجم النظام السابق وتغلله في جميع مستويات السلطةوالإدارة المركزية والمحلية، وبقاء معظم عناصره في السلطة رغم تغيير رأس النظامجعل الحركة الإسلامية تتخذ مساراً مختلفاً، تجتهد فيه لتعزيز استمرار وهج الثورةومواصلة جهود الإصلاح، حتى لا ترتد القوى التي خسرت مواقعها إلى ثورة مضادة، تعيدإقصاء الحركة الإسلامية من جديد. وقد تعرضت الحركة الإسلامية في مصر نتيجة لذلكلحملات إعلامية مكثفة وشديدة العداوة، فضلاً عن تحالف معظم القوى التي تسمىبالعلمانية والليبرالية واليسارية، في مواجهة الحركة الإسلامية في صورة مظاهرات حاشدةواعتصامات ومصادمات، فضلاً عن عمليات التعويق والتعطيل التي قامت بها القياداتالعسكرية والقضائية، ومعها في ذلك كثير من بقايا الحزب الحاكم السابق.

يمكن أن نخلصإلى أن تجارب الحركات الإسلامية التي تبلورت مع الربيع العربي، ستكون مختلفة بقدراختلاف الوقائع التي صاحبت التغيير وطبيعة الحكم فيه وتركيبة القوى الأخرى في كلبلد.

* إلى أي حد يمكن أن نتحدث عن وجود فجوة بين التنظير الفكري الإسلاميالذي كان سائداً قبل الثورات وما يتطلبه الخطاب الجديد لمواجهة التحديات التي فرضهاواقع ما بعد الثورات؟

فرق كبير بين التنظير والتطبيق؛ فصياغة الحلول في الواقع العملي بغرض ممارستها، وليس تصورها بمنطق الممكن أو المؤكد، يتطلب إحداث نقلة فكرية فيأسلوب تعامل الحركات الاسلامية مع الوقائع. ففي السابق؛ أي في مرحلة الدعوة، كانهناك حديث عن القطعيات التي تشبه اليقين، كمقولة "الإسلام هو الحل" فهذهالمقولة صحيحة عندهم، لكن دلالاتها العملية، غير واضحة، فهم يريدون أن يكونالإسلام هو الحل، ومعهم في ذلك كثير من الناس، لكن كيف يكون ذلك ومتى وأين؟

الآن إذاوصلوا إلى الحكم بالفعل، فإننا نحن الذين في الشارع، سنقول لهم: أرونا كيف يكونالإسلام هو الحل، أرونا كيف تنظف الشوارع، فالميزانية المالية للبلديات مدينة أوفارغة، أرونا كيف يمكن أن نحل مشكلة فقدان أنبوبة الغاز في الأسواق! أرونا كيفيمكن أن نحل مشكلة البطالة! أرونا كيف يمكن أن نحل مشكلة انخفاض الرواتب بالقياسإلى ارتفاع متطلبات الحياة اليومية! أرونا كيف نحل مشكلة البنوك الربوية! أروناكيف يمكن أن نحل مشكلة العلاقة مع اليهود!

لقد كانت عبارة الإسلام هو الحل شعاراً تحريضياًجميلاً، لا أقل ولا أكثر. أما اليوم فإن المطلوب هو برامج لحل المشكلات في المجالالاقتصادي، هل يكفي القول -مثلاً- بأن صندوق الزكاة وأموال الأوقاف وتجربة البنوكالإسلامية، هي البدائل الإسلامية في المجال الاقتصادي؟ وكلها بدائل لم تجرب عملياًعلى مستوى اقتصاد المجتمع والدولة. الاقتصاد العالمي اليوم اقتصاد رأسمالي يقومأساساً على ملكية الأفراد والشركات، وتحصل التنمية فيه عن طريق القروض الاستثماريةوالاستهلاكية، وكلها تقوم على احتساب نسبة الفائدة أو الربا، والربا في الحكمالشرعي حرام، على آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، فما البديل؟ الاقتصاد الاشتراكييقوم على ملكية الدولة، والأصل أن لا يكون في معاملاته ربا، لكن الاقتصادالاشتراكي كان أحد الأسباب الأساسية في انهيار النظم الاشتراكية، فليست هي البديلالمتاح لدينا. والاقتصاد الرأسمالي يئن من وطأة المشكلات المتلاحقة، وقد ذاقتالشعوب منه الأمَرَّيْن، ولولا أن العالم لم يجد له بديلاً حتى الآن، لانهار منزمن طويل، فمتى تتمكن الحركات الإسلامية التي تواجه المشكلة الاقتصادية من تطويرالفكر الاقتصادي الإسلامي وتفعيل فلسفته ونظامه من أجل تقديم البدائل العمليةوتجريبها فعلاً في الواقع الاجتماعي، ليس لتقنع الجماهير التي تحكمها بأن الإسلامهو الحل، وحسب، وإنما لتسهم في تقديم هذا الحل إلى الشعوب والأمم الأخرى، التيطالما رأت الشعوب الإسلامية عالة على إنجازات غيرها من الشعوب والأمم؟

ولهذا يمكنالقول أن مرحلة القطعيات واليقينيات التي صاحبت مرحلة الدعوة، وجب أن تتحول إلىمبادرات وإلى حلول عملية مسنودة بخبرات علمية، والعمل على تطوير مختلف التجارب،ليس في المجال الاقتصادي وحسب، وإنما في المجالات كلها. ففي المجال السياسي نحتاجإلى تطوير الأفكار النظرية التقليدية وتحويلها إلى برامج عملية، فأيهما أقرب إلىتحقيق مقاصد الدين في تنظيم الشأن السياسي، ما الموقف من النظام الملكي والنظامالجمهوري؟ هل يُعتمد النظام الرئاسي الذي يحكم فيه الرئيس؟ أم النظام المختلط الذييتقاسم فيه الرئيس السطلة مع رئيس الوزراء؟ وما الصلاحيات التي يمكن أن تعطىللرئيس ورئيس الوزراء؟ وما أشكال تدبير العلاقة بين هذه السلطات؟ ما دور المجالسالتشريعية الحالية في النظام السياسي الحالي، وأين تقع السلطة القضائية؟

في الأردنمثلاً، هناك نظام ملكي وراثي، وهناك مجلس منتخب للنواب ومجلس آخر معين للأعيان. وفيمصر هناك نظام جمهوري رئاسي ومجلس شعب منتخب ومجلس شورى متخب أيضاً، ما الأساسالذي يقبل به الإسلاميون النظام الملكي في بلدان معينة ويقبلون بالنظام الجمهوريفي بلدان أخرى؟ وهذه وغيرها، أصبحت الآن أسئلة عملية بعد أن كانت أسئلة نظرية.

لا يزالالخطاب الإسلامي السياسي مشبعاً بالتنظير والحديث عن المبادئ العامة؛ وحدة الأمة، والشورى،والعدالة ... إلخ، فوحدة الأمة في دلالتها الدينية غير وحدة الأمة بدلالتهاالسياسية القطرية، والشورى غير الديمقراطية، والممارسات الشورية أو الديمقراطيةتنتهي بنتائج ملزمة أو معلمة أو مؤلمة! ويأتي مع الحديث عن العدالة والمساواةقضايا حقوق المواطنة، وموقع المرأة وموقع غير المسلمين في المجتمع... إلخ، وفي كلّمسألة من هذه المسائل تفصيلات وجزئيات يدخل فيها شياطين الإنس من الداخل والخارج!للتشويه والتعويق والتعطيل والمواجهة. فالأمر إذن يقتضي جَهداً مُجْهِداً، نستدركفيه غياب الفكر الإسلامي عن ساحة الحكم زمناً طويلاً، ويقتضي الصبر والمصابرة علىالتعامل مع أصحاب الأفكار الأخرى، ويقتضي التعامل الحكيم مع القوى الدولية التيتعطي لنفسها حق التدخل لحماية الحريات والدفاع عن الأقليات، وتطبيق ما أنشأتهالمحافل الدولية من مقررات... كل ذلك مطلوب على المستوى العملي في المرحلة الحالية،ولا يكفي فيه تسجيل المواقف بالرفض أو الاعتراض.

ربما يلزم اتخاذ بعض المواقف العملية الآن علىالمستوى الأوليّ المترتبط بما يتوفر من خبرات تستند إلى التجارب"الديمقراطية" في الأنظمة المعاصرة، وقد تكون بعض المواقف مؤقتة مرحليةتمليها ظروف قائمة بانتظار ظروف أخرى، وقد يتطلب الأمر ابتداع أنماط جديدة منالممارسة السياسية، التي تختلف حولها الآراء كثيراً. وتتطلب إجراءات عملية فيتدبير الاختلاف والمعارضة.

ويمكن أن نشيرفي هذا الصدد إلى فئة من الإسلاميين، ترفض الدخول في تحديد المواصفات التفصيليةللحلول الممكنة لمشكلات العصر. وتستبعد التبشير بحلول محددة يقوم بها الإسلاميونفيما لو وصلوا إلى الحكم. وقد تحدث المرحوم سيد قطب على هؤلاء الذين يضعون حلولاًإسلامية لمشكلات المجتمع غير الإسلامي الحالية، وسمّاهم "الأرأيتيين"الذين يقولون: أريت لو وصل الإسلاميون إلى الحكم، ثم يجيبون: إذن سيكون الحل هوكذا وكذا.. وقد نعى سيد قطب على هؤلاء بحجة أننا لا نريد وضع حلول إسلاميةلمجتمعات غير إسلامية. بل نريد أن نقيم المجتمع الإسلامي، وسوف نحل المشكلات التيتطرأ في هذا المجتمع الذي نقيمه!

وقد كان لهذااللون من التفكير أثره لدى قطاع من المفكرين والدعاة، وشعروا بأنهم غير معنيينبالتفكير في الأمور العملية لبناء الدولة، ومن ثمّ فهم يؤجلون بحث هذه القضايا إلىحين وصولهم إلى السلطة، وربما كان من أثر ذلك ضمور التفكير الاستراتيجي المستقبلي،وضعف البرامج العملية في مثل هذه القضايا. ولهذا، فالإسلاميون اليوم أمام امتحان،وربما يسرّع وضعُهم الحالي من عملية الانتقال من التنظير إلى الممارسة.

وعلى كل حال فإناستجابات الاسلاميين في ربوع الوطن العربي لن تكون متشابهة، ستكون هناك اجتهاداتمختلفة، وهذا شيء لا بد منه، وهو على أي حال أمر جيد وإيجابي، وبالتأكيد ستكونهناك أخطاء في اجتراح الحلول والمقاربات والمواقف.

ليس أمام المفكرينفي الحركات الإسلامية بديل غير أن يقطعوا مراحل طويلة في الانتقال من مسألةالتنظير إلى بناء البدائل والحلول. ولا مانع من أن تتعدد التجارب، ومن المتوقع أنيكون هناك خطأ وصواب، لأن هذا ما سيحصل في الواقع، وتجربة الحكم في تونس لن تكونهي نفسها تجربة الحكم في المغرب أو في مصر وغيرها. وهذا التعدد في التجارب والتنوعفي الممارسات هو نتيجة مباشرة لاختلاف البيئات المحلية وما تحمله من اختلاف فيالتحديات والإمكانات والمشكلات، ولكنه على أية حال سيكون منبع غنى في التجارب، ومصدرسعةٍ في الخبرات.

* فينظركم ما هي العناوين والمفردات التي كانت سائدة في الخطابات الإسلامية قبل الثورةوتحتاج إلى مراجعة؟ وما العناوين التي تقدرون أنها لا تزال صالحة للتداول، وما هي العناوينالتي ترون أنا قد استنفدت أغراضها؟

إن عمليةالانتقال من خطاب الدعوة إلى الخطاب السياسي، يتطلب وعياً وتفكيراً وحنكة. لأنَّالأمر المطلوب أشبه بثورة، فمن خطاب الفقه والأحكام، إلى خطاب الاختياراتوالبدائل، والانتقال من لغة الحلال والحرام، إلى خطاب المصالح والمفاسد، فكونناحكمنا على أمر ما بأنه حرام في الأمس، لأنه كانت هناك ظروف اقتصادية ومشاكلاجتماعية ونفسية وأخلاقية، لا يجعلنا بالضرورة مشدودين لهذا النموذج في التفسير،لأننا اليوم نريد أن نقدم الحلول والبرامج والخطط للمشكلات القائمة اليوم، وليسللمشكلات التي كانت قائمة بالأمس، لكن المرجعية في الحلال والحرام ستبقى قائمة.

لذلك، أناأسمي هذه العملية بالانتقال من المنطق الفقهي إلى منطق البدائل؛ أي الموازنةوالترجيح بين الخيارات المتاحة، حيث يكون الأصل فيها الحلّ وليس الحرمة. خصوصا أنالتعامل مع فكرة الحلال والحرام فيها اجتهادات متناقضة إلى حد الاختلاف، فمثلاثارت مؤخرا مسألة زيارة القدس الشريف، وهل هي حلال أم حرام؟ ومن حقنا في هذاالمقام أن نتساءل هل الحكم الشرعي بالحل أو الحرمة في مسائل المواقف السياسية يدخلفي قطعيات الدين، أم هو اجتهاد في تقدير المصالح والمفاسد، تحتاج إلى تحكيم خبرةالخبراء في فقه الواقع، تنتهي بتفضيل اختيار من الاختيارات في ضوء ما يترجح منمعطيات؟ وسوف يطرح سؤال جوهري كذلك هل يجوز التمييز بين مسائل الفتاوى الشرعيةوالمواقف السياسية، أم أن هذا التمييز يقع في دائرة فصل الدين عن السياسة ومن ثمةالدخول في دائرة العلمانية؟

المثال الثانيالذي يؤكد الحاجة إلى الانتقال من منطق الحلال والحرام إلى منطق البدائل والاختيارات،يبرز في مسألة القول بالحقيقة وامتلاكها، فالمتدينون عموماً والإسلاميون منهم علىوجه الخصوص، متهمون بأنهم يحتكرون الحقيقة، حين يرون أنهم بحكم مرجعيتهم الدينيةأقرب إلى الحقيقة، ولذلك فهم يعبرون عنها، بوصفها حقائق دينية، وليست فهماً فيالدين وحسب. عندما كان الإسلاميون في المعارضة وكانوا محرومين حتى من حق الحرية فيالتعبير، كان أسمى ما يسعون لتحقيقه هو الحرية، أما وقد تحققت هذه الحرية وأوصلتهمإلى المسؤولية أو ستوصلهم إلى السلطة، فكيف سيتعاملون مع غيرهم، ولا سيّما عندمايريد غيرهم أن يمارسوا حريتهم في التعبير والاعتراض؟ وهل يعد رأي الآخرين ضلالاًوباطلاً؟ وهل تعد مواقفهم فتنة وعدواناً؟ مع العلم بأنه سيكون من هؤلاء الآخرينمخالفين في الفكر والإيديولوجيا، ومخالفين في الاختيارات السياسية، وربما يمارسبعض المخالفين الإضراب عن العمل، والاعتصام، والعصيان المدني، وربما ينتج عن ذلكالإضرار بالناس وتعطيل مصالحهم، وأكثر من ذلك ربما يمارسون بعض المخالفين استخدامالقوة في رفض بقاء الإسلاميين في السلطة أو وصولهم إليها حتى لو كان وصولالإسلاميين إلى السلطة عن طريق الاختيار الشعبي الحر! والمسألة التي لا تقل أهميةعن كل ذلك، هي حصول الاختلاف ضمن دائرة الإسلاميين أنفسهم، فهل يعد انفصال شخص أومجموعة عن جسم الحركة لاختلافهم معها في الرأي السياسي، نقضاً للعهد مع الله؟!

لعلّ منالحكمة أن يحرص الإسلاميون على الحريات حتى ولو أدى ذلك إلى فقدانهم مواقعهم.فالحرية هي المجال الذي يتنافس فيه ومن خلاله الناس، على مواقع السلطة والنفوذ،وأعتقد أن الحاجة بدأت تنضج في إدراك أهمية هذا البعد. الحرية هي المطلب، وقد كانيقول الإسلاميون بحق لا نريد إلا الحرية، لاقتناعهم بأن الشعب حين تتاح له حريةالاختيار لن يختار إلا الإسلاميين، وبالفعل تشير التجارب إلى أن الشعب يعطيهم أكثرمما يعطي للآخرين. والتحدي القائم أمام الإسلاميين فعلاً، هل سيحرصون أكثر منغيرهم على الحرية، أم أنَّ نظرتهم سوف تتغير، وسيخشون أن لا تكون تجاربهم ناجحة،لا سيما والحرب التي تسلط عليهم سوف تكون قوية وشديدة، والناس لا يصبرون حتى تتحققالنتائج والتجارب الجديدة، ومن ثم ينفض الناس من حولهم، ويقولون في أول مناسبة:لقد جربناهم، وأثبتوا فشلهم، وتأكد لنا أنهم كانوا يريدون الحرية لهم وليس لغيرهم!

الظن عندي أنّالاسلاميين الآن يتجهون إلى الإعلاء من قيمة الحرية باعتبارها ليست مطلباً لهم،وإنما هي المطلب الذي يجتمع عليه الناس، وعليهم أن يقبلوا باختيار الناس حتى ولوكان اختيار الناس يتجه إلى غيرهم.

هناك بعد آخر،ربما لم يبدأ التفكير فيه بشكل جيد، وهو الراهنية والإلحاج على أولوية الإصلاحالسياسي والاقتصادي، وعدم إعطاء الأهمية للإصلاح الفكري والتربوي الأهمية التييستحقها. ذلك أن القضايا المطروحة اليوم لا تحتمل التأجيل، والقضايا الفكريةوالتربوية تحتاج إلى وقت، فهل نفكر بالتغيير التربوي أم بلقمة الخبز وفرص العمل،وممارسة مطالب الناس في الديمقراطية وبسط الحريات، وتحقيق نموذج سياسي متوازن؟

هناك قضايامؤجلة ضمن الإصلاح الاجتماعي، كمشكلة الأسرة، والعنوسة وعدم الزواج، وذوبان الأسرةالممتدة، والتفكك الأسري وكثرة الطلاق، وحتى حالات كبار السن الذين لا يجدونالمعيل، ودور العجزة.. وغيرها من المعضلات الاجتماعية، التي لا تتطلب قرارات فقط،وإنما تتطلب إحداث تغييرات في نفسية الناس.

أما مشاكل التعليم العالي في الجامعات، وحتى فيالمدارس والثانويات، فليس لها أول ولا آخر؛ إذ إن معظم خطط وبرامج التعليم ومناهجهمستوردة، ليس فيها شيء محلي إلا القليل، والحال أن هذه المجالات تحتاج إلى تجديدسواءً في قضايا اللغة أو الدين أو التاريخ وما إلى ذلك. ويجب أن نفهم أن المناهجغير المستوردة تحتاج هي الأخرى إلى تجديد، لأنها متخلفة ونمطية إلى حد بعيد، وهيتحتاج إلى إصلاح، وهذا الاصلاح لا يتم بين عشية وضحاها.

بينما القضاياالتي تشغل الجميع هي القضايا السياسية والاقتصادية، ويتم إهمال القضايا الفكريةوالتربوية والاجتماعية، وتأجيل النظر فيها، وفي ذلك مخاطرة كبيرة، لأن معظمالقضايا السياسية والاقتصادية، هي في الأساس نتائج عملية للمشكلات الفكريةوالتربوية، ولهذا أرى أنه من اللازم أن ينفر نخبة من المفكرين الإسلاميين فيالحركات الإسلامية، وفي غيرها، لبناء الخطط والبرامج التي تتعامل مع الأهداف علىالمستوى المتوسط والبعيد، في الوقت الذي ينشغل فيها المفكرون والممارسون جهودكم فيتطوير الخطط والبدائل في المسائل العملية الملحة التي تحتاج إلى قرارات علىالمستوى الآني القريب.

أعتقد أنّ مسألةترتيب الأولويات لا تقتصر على تقديم الـمُلِحِّ من الأمور على الأقل إلحاحاً،وإنما يمكن توزيع هذه الأولويات على فئات من المعنيين بها لتصبح كل منها أولويةعند الفئة التي تتولاها، وعندها تأخذ مسائل الاصلاح الفكري والتربوي والاجتماعي، العنايةبها منذ اللحظة، دون أيّ تسويف أو تأجيل، ودون التذرع بأن هذه القضايا تستغرقمعالجتها وظهور نتائجها وقتا طويلا، أو أنها لا تدخل في أولوياتنا الملحة، أو أنهاسوف تأخذ منا الشئ الكثير من الجهد على حساب أمور أخرى. ولذلك فوائد كبيرة سوفتنعكس على حشد قطاعات من المجتمع حول الحركة الإسلامية، لا سيما تلك القطاعاتالمعنية بالإصلاح الاجتماعي المتأثرة مباشرة بهذه الجهود الإصلاحية.

أما المجالالإعلامي، فهو بدوره يحتاج إلى وقفات حقيقية، فالإعلام من أكثر المجالات التي كانيشكو منها الإسلاميون، لأنَّ المتحكم فيه يحسم الأمر في التأثير على الجماهير، ومنثَمَّ يمتد ذلك إلى الجانب التشريعي لينتقل إلى المجال التنفيذي، بل ويكون له أثرحتى على السلطة القضائية، فالإعلام صار هو الذي يقود التغيير، ولنا في الثوراتالعربية المثال الأبرز. ولأهمية الإعلام، مكنت السلطات العلمانية التي كانت تهيمنعلى مقدرات البلاد في الوطن العربي لمؤيديها من العلمانيين وغيرهم من منابرالإعلام المقروء والمسموع والمرئي، كما حقنت معظم ما يعرض من برامج للتوجيه أوالتثقيف أو الترفيه، بمضامين غير صديقة للدين والتدين، وعملت على تشكيل وعيالجماهير، وصياغة نماذج بشرية مستلبة، تهمش دور القيم الدينية، وتجعل من الدين عموماًوالإسلام خصوصاً صوراً نمطية، تنحو في الغالب وفي أحسن الحالات إلى تدين فردي، بدلأن يكون الدين عقيدة وفكراً ونظاماً وبرامج تقود الحياة في المجتمع.

كان الإسلاميون،ولا يزالون حتى في البلدان التي وصلوا فيها إلى شيء من السلطة، يقولون إن الإعلام يعملضدنا، وإنه لا يعمل في خدمة المجتمع، لا في التعبير عن حقائقه الوصفية ولا فيتوجيهه نحو الأهداف المعيارية. فكيف يمكن أن يصبح الإعلام اليوم بعد وصولالإسلاميين إلى السلطة أداة في خدمة المجتمع؟ وصديقاً لبرامج التحول الإسلامي فيه؟ولعل العملية الإصلاحية في هذا المجال من أعقد العمليات لأنها تحتاج إلى كوادرفنية، وإلى خطط وبرامج ورؤى وتصورات عملية، وإلى خبرات متمرسة، تنافس الإعلامالقائم، وتقدم النموذج الإعلامي المتميز الذي يكسب قلوب الجماهير ويحدث التغييرالمطلوب، والذي يتماشى مع التحولات الجارية في المنطقة. ولهذا فالرهان على الإصلاحالإعلامي يعد من أولى الأولويات.

* كيف تقيمون الخطابات التي أنتجتها الحركاتالإسلامية في سياق تفاعلها مع واقع ما بعد الثورات؟

حجم التغييرلا يزال ضعيفا، لا يزال المتحدثون في الخطاب الاسلامي أسيري الأقوال التقليديةالسابقة، ولا يزال قاصرا عن أن يلبي رغبات الجمهور الذي يستهدفه هذا الخطاب. لايزال العديد من الناس يتخوفون من الخطاب الإسلامي، ويعدونه خطاباً ظلامياً، غيبياً،طوباوياً، إقصائياً،إلخ، وفي التعبير الأكثر لطفاً هو خطاب ليس عمليا واقعياً. لايزال كثير من الناس مترددين بشأن هذا الخطاب، لأنه لم يجرب بعد، ولا يزال الكثيرمن الناس الذين ألفوا الهجوم على هذا الخطاب يتهمونه باتهامات شتى، ليس من السهلعلى كثير من الناس أن يزيلوا من أذهانهم هذه الصورة النمطية التي كانت في أذهانهم.

وعلىالإسلاميين أن يعالجوا هذا المستوى البطيء من سرعة التحول، من الخطاب التقليديالذي كان سائدا إلى الخطاب الجديد. مثلا في الانتخابات المصرية التشريعية، لا يزالكثير من ألوان الخطاب عند الإسلاميين فيه البعد العاطفي والبعد الفقهي، فمثلا لمايقال "عليكم أن تنتخبوا فلانا بالاسم" وليس غيره، و"هذا واجب شرعي"،و"هذه بيعة، بايعتم عليها" ... مثل هذا الخطاب لا أعتقد أنه خطاب سياسي،ولا أعتقد أنه يصلح، لا بد أن تقدم للشخص أدلة مقنعة، وبدل هذا الخطاب، وجب أنيستبدل به خطاب سياسي، يقوم على لغة الاختيارات، والمقارنة بين البرامج ومدىواقعيتها وقابليتها للتطبيق.

وهذا النوع منالخطاب الذي يقوم على لغة عملية واقعية، وجب أن يعتمد بديلاً للغة الخطاب الوعظيالفقهي الذي كان ولا يزال سائداً عند العديد من الحركات الدعوية والأحزاب السياسيةالتي اقتحمت المعترك السياسي مؤخرا.

ولعل من المفيد أن نشير إلى ظاهرة مؤسفة تسهم في إعاقةعملية التحول في ألوان الخطاب الإسلامي المنشود وممارسة متطلباته. وآية ذلك أن ثمةقوى من توجهات مختلفة إسلامية وعلمانية، لا تريد للإسلاميين أن يمارسوا أي عملسياسي، فالعلمانيون لا يريدون الخلط بين الدين والسياسة، وربما يرون في الخبرةالتي يكتسبها الإسلاميون من ممارستهم للعمل السياسي وما تتطلبة من تطوير عقلانيوميل إلى الاعتدال، وحضور مؤثر لنماذج سياسية إسلامية فريدة في إخلاصها وبعدها عنالفساد، حافزاً يحفز الجماهير لمزيد من الدعم للإسلاميين ويبعدها عن دعم غيرهم.أما الإسلاميون المحافظون فربما يريدون أن يحافظوا على "طهوريتهم" ولايتلوثوا بالسياسة، ولا يمارسوا ما تحتاج إليه من تطوير وتنويع ومرونة في الخطابالإسلامي، وهذه القوى تَعُدُّ مظاهر النضج والتطور والحكمة في صياغة الخطابالإسلامي السياسي وجهود المراجعة التي تقوم بها بعض العناصر الإسلامية لألفاظ هذهالخطاب وشعاراته، تنازلاً عن الثوابت والمبادئ. وتريد هذه القوى أن تبقى مواقفالإسلاميين محصورة في الاحتجاج والمعارضة. ومن هذه القوى عناصر في التياراتالإسلامية ترى أن الدخول في تجارب تسهم في التحول الإسلامي التدريجي، أو التعاونمع غير "الإسلاميين الأنقياء" على تحقيق مصالح عامة للناس هي جهودعبثية، لا تنسجم من دلالات الولاء والبراء!

* مع الثورات وانطلاق الحراك الشعبي الديموقراطي فيالعالم العربي، تم الوقوف على فراغ كبير في التنظير الإسلامي في مجال العلومالسياسية لما يسمى بالتجربة العربية في الانتقال الديمقراطي، في نظركم ما الذييفسر ضمور الفقه السياسي الإسلامي وعدم قدرته على بلورة رؤى تجديدية لقضايا الإصلاح الديموقراطي؟

الفكر السياسيالإسلامي ولا أقول الفقه لم ينم ويتطور بالقدر الذي تطور الفقه والفكر في المجالاتالأخرى. ففي التجربة المعاصرة، لما بدأت حركات الاستقلال في العالم العربي، كانت الأفكارالسياسية التي تروج هي الأفكار التي وضعها المستعمر، ولم يكن لدى مجتمعاتنا نظامبديل للفقه السياسي، أو حتى لمعالمه الكبرى. فمعظم بلدان العالم الإسلامي، ما قبلعهد الاستعمار كانت تابعة للدولة العثمانية، ولنظام الحكم في السلطنة العثمانية،ونظام هذا الحكم قائم على تراتبية يقع في رأسها الولاة، الذين يستمدون سلطتهم منالسلطان، وكانت معظم الولايات تعيش في نظام استبدادي، وفي أواخر العهد العثماني بدأتعملية التتريك وتحولت الدولة العثمانية إلى دولة تركية.

وما دمنانتحدث عن تجربة الإصلاح في العالم العربي، الذي كان في مجمله تحت حكم الأتراك وليسالعثمانيين، فقد ثار العرب بدعم من الإنجليز ضد الدولة العثمانية، وكانوا يريدوندولة عربية، وقد كان اسم "الشريف الحسين" الاسم المرشح للقب خليفةالمسلمين، أو ملك العرب. وربما كانت وعود بريطانيا للعرب لمساندتهم هي العاملالأول فى الثورة ضد الأتراك، إضافة إلى عامل التتريك، الذي لم يعد للعرب معه مايسوغ الخضوع للأتراك من باب الدين. فهذه المرحلة، كان هناك زعامات فكرية وسياسيةتحمل أفكاراً إصلاحية مختلفة، نذكر من بقاياهم في آخر العهد العثماني: جمال الدينالأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، والقاسمي والآلوسي الذين كانت مطالبهم موجهةأساسا إلى السلطان العثماني. كانوا يدعون إلى الجامعة الإسلامية، التي تقضي بإجراءإصلاحات في الدولة العثمانية، لكن هذه الدعوات الإصلاحية لم تجد من يستجيب لها، ففشلتتلك الجهود التي كانت تحاول أن تقدم رؤية معينة للإصلاح، في مجمل الدولة التي كانتتعبر عن طموحات المسلمين.

مع مجيء الاستعمار دخلت البلاد العربية في نظام سياسي جاهز ومكتمل، واعتمدفيه الحكم الاستعماري المباشر على القوة المادية والسلاح، ثم بدأ الاستعمار يهيئأتباعه وأعيانه ورجاله ويُعِدُّهم لينوبوا عنه في إخضاع الشعوب، وبطريقة استبداديةسواء كان الحكام في هذه البلاد ملوكا أو أمراء أو رؤساء. وقد خلَّف هذا الوضع تركةمن الفكر السياسي الغربي، الذي أعاق إمكانية تطوير فكر له أي صفة أخرى، عربية أوإسلامية. وما بقي على صعيد التراث كان عبارة عن مجموعة من الكتب الفقهية التي كانتتعبر عن أحكام في الفقه، تدور حول ما يجوز وما لا يجوز، ما ينبغي وما يلزم أنيكون، وشروط الوالي، وشروط الخليفة، لكن الأسئلة الأساسية لم تكن تطرح. ومعظم هذهالكتب كانت تكتب تحت عنوان الأحكام السلطانية، السلطان يطلب من فقيه أن يكتبفيكتب، ولم تكن هذه الأدبيات، وهذا التراث في الفكر السياسي الإسلامي، قد نضج بعد،إلى الحد الذي تستطيع فيه الدول الجديدة والأنظمة في العالم العربي أن يكون لديهاما يلزم تطبيقه، فضلا عن كون هذه الأنظمة، كانت زراعة استعمارية تروم تثبيت مفهومالدولة على النمط الغربي.

لم يكن مطلوبا من الأنظمة السياسية القائمة، إنتاج فكر سياسي، لذلك لم يعط هذاالأمر، الذي كان يحتاج إلى خبرة وممارسة، أية أولوية، لأن غالبية النخب المتدينةوالإسلامية كانت محرومة من ممارسة هذه التجارب.

لذلك فإن مستوى النضج الذي بلغه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر سوف يعتمدعلى التجربة والممارسة، ولا يكفي فيه التنظير والبناء في الهواء، حتى يستجيبللمرحلة. ولذلك ليس من العسير القول بأن هذا الفكر لم ينضج بعد ليستجيب لمتطلبات لمرحلةوتحدياتها.

إذا أتيح المجال لقدر من الاستقرار يُمَكِّن المفكرين والممارسينالإسلاميين من ترشيد تجربة المشاركة في الحكم، عندها يمكن أن يكسب الفكر السياسيالإسلامي قدراً من النضج، ليس من خلال بنائه على المبادئ العامة للفكر الإسلاميالإسلامي في مرجعياته من النصوص ومن الواقع التاريخي وحسب، وإنما من قدرته علىالاستجابة لمتطلبات العصر ومستجداته كذلك.

على سبيل المثال، نحن نتحدث الآن عن الديموقراطية بصورتها المألوفة فيالغرب، وهي ما يمكن أن يكتفي به الإسلاميون اليوم، منتظرين قدراً من الاستقراروطول التجربة التي تنضج فيها ممارسات ديموقراطية محلية خاصة ربما تقترب من المقاصدالمأمولة من الشورى الإسلامية. أما المفهوم المجرد للشورى فقد لا يكون له معنى فيالظروف القائمة، سواء كانت هذه الشورى ملزمة، أم معلمة؟ أو مؤلمة. وهل يمكن أنتدار الشورى بطريقة تقترب من تعيين أي من الخلفاء الراشدين في منصب الخلافة؟ أمبالأدوات الديموقراطية المألوفة اليوم؟ هل يمكن اليوم أن نتحدث عن أهل الحلوالعقد؟ ومن هم وكيف نختارهم؟ وهل يختارهم الحاكم؟ أو الجماهير؟ وهل هذا الاختيارمفتوح للجميع أم أنه مقصور على نخبة من الناس؟ وكيف يمكننا أن نطور نظاما إسلاميايستجيب للمرحلة الراهنة، ويستفيد من خبرات الديموقراطية في العالم الغربي، يأخذمنها ما يلبي متطلبات المرحلة، ويحافظ على مبادئ المجتمع وثوابته ومرجعياته العليا؟

وقد أصبح اليوم ضبط التوازن والاستقلال بين السلطات التشريعية والتنفيذيةوالقضائية أمراً من أمور الديموقراطية القارَّة، فإلى أي مدى ينسجم هذا الضبطوالاستقلال مع روح الإسلام ومقاصده في التدبير السياسي؟ وثمة مسألة مهمة حتى فيالممارسة الديموقراطية الحديثة، فالديموقراطية في أمريكا ليست هي الديموقراطية فيفرنسا، ولا هي كالتي في ألمانيا، أو في بريطانيا، كل بلد له تجربته الديموقراطيةالمختلفة، وإن كان يجمع بينها فكرة الاختيار المباشر، واستمداد السلطة من الشعب.

* هل يمكن تلمس شيئاً من مقدمات النضج في كتابات بعض المفكرين الإسلاميينالمعاصرين، كالشيخ راشد الغنوشي؟

بالتأكيد هناك العديد من المفكرين الذي قعَّدوا لفكرة الديموقراطية والنظامالسياسي، نذكر من بينهم المستشار طارق البشري، والدكتور أحمد الريسوني، والدكتورتوفيق الشاوي، والدكتور سليم العوا، والشيخ رائد الغنوشي، وغيرهم كثير، ممن أثرواالمكتبة الإسلامية في مرحلة ما قبل الربيع العربي. لكن ما يميز هذه المرحلة هو أننادخلنا مرحلة تنفيذ هذه الرؤى والتصورات النظرية وقياس مدى صلاحيتها الاجتهادية.

ولا شك في أنَّ الشيخ الغنوشي قدَّم تصورات في الفكر السياسي الإسلامي،تتصف بقدر من النضج، وقدمها فكراً مكتوباً، وقدمَّها ممارسة عملية في الوقت نفسه.وقد عمل على تطويع العديد من المفاهيم والتصورات، واجتهد في تنزيلها على تجاربالدول العربية، ولعلّ كتابه حول الحريات العامة في الإسلام، وكتابه الآخر: حقوقالمواطنة، يندرجان في هذا السياق، والشيخ علاوة على ذلك يتبنّى منهجاً مفتوحالآفاق، ويتبنّى توظيف إمكانيات التواصل والتعاون بين الفئات الإسلامية وغيرها منالفئات في القضايا العامة للأمة والمجتمع.

* السؤال السادس: مع تجربة الإسلاميين في الحكم وضعت المنهجية الأصولية في المحك، وصارالتساؤل مشروعاً عن جدوىهذه النظرية ومدى قدرتها علىمساعدة الحركات الإسلامية على إنتاج رؤى في تدبير الحكم والتعامل مع تعقد واشتباكالمصالح والمفاسد وما يتطلبه الإصلاح من مواجهة لوبيات الفساد واستيعابالنخب، في نظركم هل هذه هي لحظة الفكر المقاصدي؟ أم أن هذا الفكر استنفد أغراضهولم يستطع أن يحدث الانتقال من الحقل المعرفي إلى حقل الممارسة السياسية؟

سؤالكم يتضمن التمييز بين المنهجية الأصولية والمنهجية المقاصدية، وأنا لاأرى حاجة إلى هذا التمييز، ولذلك يمكن إعادة صياغة السؤال بالشكل التالي: إذا كانتالمنهجية التقليدية (الأصولية والمقاصدية) هي الأداة الرئيسية في التفكير الإسلاميوفي عمل العقل المسلم، فهل هذه الأداة لا تزال صالحة أم تحتاج إلى تطوير؟ وما هوالتطوير اللازم؟

أعتقد أن القضايا والمسائل المستجدة في الفكر السياسي الإسلامي، هي التييمكن أن تجدد المنهجيىة الأصولية، حتى تستطيع أن تستجيب لمتطلبات الوضع القائم.

علينا أن نلاحظ أنّ المنهجية الأصولية منهجية منفتحة وليست منغلقة، لأنهامنهجية قائمة على كيفيات التعامل، وليست نصوصاً وأحكاماً شرعية، فالمنهجيةالأصولية هي وسيلة استنباط أحكام، واستنباط بدائل، واستنباط حلول للمشكلات. ولذلكفإنّ طبيعة المشكلات هي التي تفرض على المنهجية أن تتسع لمثل هذه المشكلات،وبالتالي تكون قادرة على تقديم الحلول.

ولن يتم ذلك من خلال التنظير المجرد، وإنما يتم ذلك من خلال المعاناة،فالفقيه والعالم والمفكر والأصولي، ينظر إلى القضية المستجدة المعاصرة ويبحث عنبدائل لها، بدائل أقرب إلى "تحقيق مقاصد الحق من الخلق"، فيستنبط من ذلكحلاً يكون أقرب إلى مقصد الشرع، لأنَّ القضية حالةٌ حاضرة، وليست افتراضاً نظرياً،قضية آنية وليست قضية في الزمن الماضي، وقضية هذا البلد وليس أي بلد آخر.

فالمنهجية الأصولية سوف تتطور، آخذة بالحسبان البعد المقاصدي في التفكيرالإسلامي من خلال المعاناة، والاستجابة لقضايا العصر الآنية في الزمان والمكان. ولانستطيع أن نقول إن المنهجية الأصولية قد اكتملت عناصرها، وأصبحت قادرة على أن تلبيمتطلبات العصر، وتقدم البدائل في أي زمان أو مكان، فلا نتوقع ذلك.

نصوص الإسلام نصوص عامة، وهي نصوص مقاصدية تتحدث عن الكليات، ففقه الكلياتومقاصد الدين في ضوء القضايا الكلية، سوف يتيح استنباط أشياء جزئية وأحكام جزئيةلقضايا حالّة في الزمان والمكان، ومن ثمّ فالتجاربالإسلامية في الوطن العربي، سوف تختلف من بيئة لأخرى حسب الخصوصيات الثقافيةوالحيثيات الاجتماعية والتاريخية، ومدى تفاعلها المبدع في تطوير المنهجية الأصولية،لتنزيلها على أحكام ووقائع وبرامج وخطط واستراتيجيات معيَّنة.

وفقه الفقهاء نما وتطور بهذه الطريقة. ما الذي جعل واحدا مثل الإمامالشافعي وهو تلميذ للأمام مالك، أن يشق طريقا في الفقه بآلية الاستنباط، كتبهاوأوجد من خلالها علم أصول الفقه، ودونَّه في كتاب "الرسالة"، ما الذيجعله يفعل ذلك، وهو تلميذ للإمام مالك؟ لا شك في أنَّ الذي جعله يفعل ذلك هو خبرتهالتي بناها من تنقلاته من المدينة إلى العراق ثم إلى مصر، وهي خبرة في الزمانوالمكان. كل ذلك جعله يستمع إلى مالك وإلى تلاميذ أبي حنيفة، ومنهم وكيع تلميذ أبيحنيفه الذي يعد شيخ الشافعي في العراق، وجمع بين مذهب أهل الحديث ومذهب أهل الرأي،وكتب علم أصول الفقه لضبط عملية استنباط الأحكام الفقهية.

لذلك يمكن القول، إنّ المنهجية الأصولية كانت مرنة في الاستجابة لمتطلباتالعصر، وأنّ هذه المنهجية لا تزال مرنة الآن وقادرة على الاستجابة لمتطلبات العصرالحاضر، وهذه المرونة هي الأساس في متطلبات تطويرها وإمكانية تطويرها، وتفعيلها فيالقضايا العامة، كالعلاقات الأسرية، والتنمية الاقتصادية، وحرية الأحزاب السياسية،وتعارض برامجها وتوجهاتها الفكرية، واستقلالية السلطات في داخل الدولة، والتحالفاتالدولية، والعلاقات الخارجية، للإجابة عن أسئلة محددة مثل حدود التعامل مع الاتحادالأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان.

وعموما فإنه يمكننا القول إنّ المنهجية الأصولية، والتفكير المقاصدي جزءأساسي منها، سوف تتجدد باستمرار من خلال تفعيل كلياتها وقواعدها العامة علىالجزئيات والحالات والمواقف والقضايا المحددة.

* في نظركم ما الإضافة التي يمكن أن تقدمها الحركة الإسلاميةالتي وصلت إلى السلطة لفكر الإصلاح والنهضة التي انطلق مع القرن التاسع عشر؟

مرت الأمة الإسلامية في تاريخها في مراحل وحالات من التقدم والتأخر، وبدأتبعض مظاهر الخلل في وقت مبكر، وذلك بالقياس إلى المستوى الذي يريده الإسلام،وبالقياس إلى الإمكانات العلمية والعملية التي تمتعت بها، وبالقياس إلى اتجاهاتالنمو والتطور والتقدم الذي كانت الأمم الأخرى تتجه إليها. وقد تطورت حالات الضعففي واقع الأمة، فبدأت في جانب السياسية وطبقة الحكام، في الوقت الذي بقي فيهالمجتمع ملتزماً وقوياً في مؤسساته المدنية، ثم استشرى الضعف في سائر المجالات،حتى وصل العالم الإسلامي إلى حالة القابلية للاستعمار، مما مكن للقوى الاستعماريةالأوروبية أن تستعمر الجزء الأكبر من بلدان العالم الإسلامية.

لكن الجهود الإصلاحية في سائر المجالات لم تتوقف، ولنأخذ مثالاً عن بعض هذهالجهود التي قام بها أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري، حيث مارس عمليةالإصلاح في جبهات متعددة كان منها مثلاً، تصحيح التدين وتجديد فهم الدين وإحياءعلومه، وذلك في كتابه المعروف "إحياء علوم الدين". ولا نملك إلا أن نلاحظمصطلح "إحياء" وقوة دلالاته، فكأن علوم الدين قد ماتت، وتحتاج إلى إحياءمن جديد. وثمة جبهة أخرى حاول فيها الغزالي أن يمارس الإصلاح والتجديد، في الفكرالفلسفي، الذي غلبت عليه موجة الاقتراض الثقافي من الفلسفة اليونانية والتأثربنظرياتها، فواجه هذه الموجة، بما يعبر عن التصحيح والتجديد، في كتابيه:"مقاصد الفلاسفة"، و "تهافت الفلاسفة".

وقلْ مثل ذلك في جهود كثير من العلماء والمفكرين والمصلحين، التي لم تنقطعفي التاريخ الإسلامي. ولست في هذا المقام بصدد تقويم هذه الجهود، لكنني بصدد التأكيدأن هذه الجهود رغم نتائجها الإيجابية المتعددة، لم تكن كافية لعمل انقلاب فيالواقع الاجتماعي الإسلامي يمنع استمرار الضعف والتدهور. وفي العصر الحديث كانتهناك تجارب متميزة في التأليف والكتابة وإنشاء المؤسسات التعليمية والفكريةوالإعلامية-الصحفية، منها تجارب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده جمال ومحمد رشيدرضا، وحسن البنا، ولا شك في أن هذا الجهود كانت لها أمتداداتها في حركات الإصلاحالمعاصرة، فليس ثمة جهود تبدأ من الصفر، وإنما قدرها أن تبني على تجارب السابقين.

علينا اليوم أن نستثمر كل التجارب السابقة، وأن نبني عليها أيضا، لكن شكلالبناء ربما يكون مختلفا من بلد إلى آخر، ومن مجال إلى آخر، فإذا نجحت الحركاتالإسلامية في الوصول إلى الحكم بالفعل، وكتب لها بعض الاستقرار الذي يضمن ظهور نتائجما قد يتحقق من إصلاح في بعض المجالات، فإنها ستكون في الوقت نفسه مطالبة بالبحثعن أسباب تعثر الأفكار والجهود الإصلاحية عن تحقيق أهدافها في المجالات الأخرى.

ولعلَّ أهم ما يجب الانتباه إليه في هذا المسار التقويمي النقدي، هوالتمييز بين الديني بالمعنى الفقهي، والديني بالمعنى السياسي؛ أي الدين أو التدين بوصفهاستجابة عملية وتاريخية وبشرية للمعضلات التي يطرحها العصر. فهذا التمييز مطلوب،لأسباب متعددة، واحد منها أن مختلف التجارب التي يخوضها أو سيخوضها الإسلاميون، لايجوز أن تحسب على الإسلام، فيكون الخطر على التدين وعلى الدين كله، حتى يسوغ ذلك لبعضالناس القول: قد جربنا العلمانيين وفشلوا، وجربنا اليساريين وفشلوا، وجربناالقوميين وفشلوا، وأخيراً جربنا الإسلاميين وها هم يفشلون؟ وخطورة ذلك لا تنعكسعلى الحركات الإسلامية، وحسب، وإنما على التدين بصورة عامة.

فلا بد من مصارحة الناس أن تجارب الإسلاميين في الحكم هي تجارب بشريةيصيبها ما يصيب بقية التجارب، من الفشل والنجاح، حتى يبقى الدين لنا، فلا تُنقضعراه ولا تَنقص ثقتنا فيه. ولهذا فالتمييز بين الحركة الدعوية والحزب السياسي فيهذه المرحلة أمر مهم. والتجربة المغربية في هذا المجال تجربة واعدة في التنظيرلعلاقة الفصل والوصل بين الحركة الدعوية والحزب السياسي في العمل الإسلامي،فالدعوة هي لأبناء الأمة كلها، تنافح عن هويتها الإسلامية وقضاياها الجامعة، وتغنيالتجرية الدينية والانتماء الديني لأعضائها ومناصريها، وللجماهير التي تخاطبها،أما الحزب السياسي فهو إطار تنظيمي للمنتسبين له ضمن برنامج سياسي يتنافس فيه معالأحزاب الأخرى على أصوات المواطنين من خلال ما يمكن لبرنامجه أن يقدم للمواطنينمن مصالح مباشرة. لذلك يفضل أن لا يسوغ الحزب عمله تسويغاً دينياً، ولا يكونالتزام أعضائه برؤية الحزب التزاماً شرعياً، وإنما هو التزام إداري تنظيمي. وهذالا يعني بالضرورة أن يصبح الحزب ذو المرجعية الإسلامية مثله مثل سائر الأحزابالليبرالية والعلمانية، وإنما تبقى مرجعيته الإسلامية منطقاً لرؤيته النظرية،وإطاراً لمواقفه العملية، وأساساً لتحديد برامجه في تحقيق مصالح البلاد والعباد. ويبقىلكل من الحركة والحزب أطره الإدارية والتنظيمه ومصادره المالية المستقلة تمامالاستقلال عن بعضها بعضاً، ويبقى لكل منهما رموزه وشخصياته القيادية المستقلةتماماً أيضاً.

* في تقديركم ما هي الأولويات التي يلزم أن يشتغلعليها الخطاب الإسلامي في المرحلة القادمة؟

كل ما قلناه سابقاً يعبر في نظري عن أولويات، وللتلخيص والتذكير يمكنالإشارة إلى ما يأتي:

1. إعطاء قدر من الأمل والتفاؤل للناس بإمكانية تحقيقالإصلاح في مجالاته المتعددة، بعد فترة طويلة من اليأس الذي أصابهم بسبب طول عهودالفساد والاستبداد.

2. التميز والاستقلالية التامة بين العمل الدعوي والعملالسياسي، في أشخاصه، وبرامجه، وأولوياته، ومتطلباته الإدارية والتنظيميه، وذلك منباب التخصص في مجالات العمل، رغم وجود الهوية والمرجعية الجامعة.

3. الانتقال من خطاب الدعوة الوعظي إلى خطاب الدولة السياسيالذي يعتمد الخطط والبرامج والمشاريع البديلة، فالإسلاميون الذين حرموا في السابقمن العمل السياسي لم يطوروا من صور الخطاب السياسي وأولوياته وبرامجه، ما يجعلهمنافساً لبرامج الحركات والأحزاب والقوى السياسية الأخرى، والخبرة في هذا المجالتختلف عن خبرة العمل الدعوي العام، وعن خبرة العمل السياسي الذي مارسته التياراتغير الإسلامية؛ تختلف في الألفاظ والشعارات وطرق الحشد والإقناع التي تمارس معالجماهير.

4. الانتقال من مواقف الاحتجاج والمعارضة التي مارسهاالإسلاميون طويلاً، منذ بدء مواقف العلماء من رجال السلطة بعد انتهاء الخلافةالراشدة، حتى الآن، إلى مباشرة حمل المسؤولية وترشيد ممارسات الحكم بصورة تغذيالفكر السياسي الإسلامي، والعمل السياسي الإسلامي، بنماذج طال انتظار الشعوب لها.

5. الاهتمام بمشاريع الإصلاح التربوي والفكري بوصفها أطولفي مداها، وأعمق في أثرها، وأوسع في نطاق شمولها. وذلك بأن ينفر إليها أهل الكفاءةوالاختصاص للتفكير والتخطيط والبرمجة. وبغير ذلك فإن المشكلات السياسيةوالاقتصادية، في كثرتها وإلحاحها وراهنيتها، ربما تغرق جميع الكفاءات الإسلامية فيمواجهتها والاستجابة لها، فلا يبقى للإصلاح التربوي والفكري من الكفاءاتوالإمكانات ما تستحقه.

آخر تعديل على الأربعاء, 09 تشرين1/أكتوير 2013 09:45