air jordan sale,cheap air jordan salewww.jordangogo.com,www.calcioxp.com

Golden Goose Sneakers Sale - Golden Goose Outlet,Golden Goose Sneakers Sale - Golden Goose Outlet

بعض الجدل حول بداية الإصلاح المعرفي! بقلم فتحي حسن ملكاوي

بعض الجدل حول بداية الإصلاح المعرفي! بقلم فتحي حسن ملكاوي

مقدمة

عرفت السجالاتُ والحوارات التي دارت حول مشاريع الإصلاح الفكري في العالم الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين عدداً من المواقف المتنوعة التي عبرت عن رؤى متقاربة أو متناقضة رافق بعضَها كثيرٌ من سوء الفهم أو سوء الظن. وانطلق بعضُها من رؤية شديدة المحافظة على هوية الذات الإسلامية، وانطلق بعضها الآخر من رؤية شديدة الاغتراب والتماهي مع هوية الآخر الغربي. ومن ذلك ما تعرض له مشروع إسلامية المعرفة، الذي تبنّاه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، على سبيل المثال.فقد نال المشروعَ نقدٌ من أصحاب الرؤيتين المتناقضتين.

وهذه المقالة معنية بالنقد الذي توجه إلى مشروع إسلامية المعرفة من شخصيات وفئات متنوعة داخل الدائرة الإسلامية التي تقع على درجات متفاوتة من أفكار المحافظة. فقد توجه بعض النقدإلى مصطلح الأسلمة والإسلامية، مع عدم الاعتراض على المضمون، وقُدِّمت فيهمصطلحات بديلة.وتوجه نقد آخر لخطة المشروع وأسسه النظرية وبرامجه العملية،وقدمت فيه بعض المشاريع البديلة كذلك.

من المناسب البدء بتحديد الفكرة الأساسية من المشروع التي تعرض للنقد لنرى بعد ذلك واحداً من أوجه النقد التي توجهت إليه.

شروط ومواصفات العمل في مشروع إسلامية المعرفة

إنَّ مهمة المشروع هي النظرفي المعرفة المعاصرة في أي علم من العلوم وإخضاعُها إلى التحليل النقدي للكشف عن الإحالات النظرية والفلسفية الكامنة فيها، ومن ثم رفض ما يلزم رفضه،وتعيدل ما يمكن تعديله، وتكييف ما ينفع تكييفه، كل ذلك بإعمال رؤية العالَم القرآنية الحاكمة.

وقد حدَّد المشروع ثلاثة شروط لازمة لتمكين المختصين من القيام بهذا العمل:

الشرط الأول: هو التَّمَكُّن من الرؤية الإسلامية ومقاصدها في تزكية الإنسان وإقامة العمران، بصورة عامة، وفيما يختص بموضوع علم معين بصورة خاصة، كما تتبدّى هذه الرؤيةفي هداية الوحي الإلهي وحكمة التنزيل النبوي، واستصحاب التراث الإسلامي الذي دار حول ذلك العلم أو حول موضوع محدد من موضوعاته.

والشرط الثاني: هو التمكن من المعرفة المعاصرة حول ذلك العلم أو حول موضوع معين من موضوعاته، في أفضل مستوياتها ومرجعياتها، وما تتضمنه من رؤى وخبرات تتكامل أو تتناقض سواءً في التنظير أوالممارسة.

والشرط الثالث: هو القدرة الإبداعية التي تعيد صياغة المعرفة في ذلك الموضوع لتكون بديلاً إسلامياً عن الحالة المعرفية السائدة التي يمثلها الفكر الغربي على وجه الخصوص، دون استلاب كامل للمعرفة المعاصرة، أو انتقاص مما في هذه المعرفة من قيمة.

وربما يصبح الموضوع أكثر وضوحاً لو ضربنا للفكرة مثلاً. وليكن المثل هو "علم نفس النمو"، وهو فرع من فروع علم النفس. سيكون الباحث أو العالم المتخصص الذي سوف يمارس الإنتاج المعرفي في مشروع إسلامية المعرفة في هذا الموضوع قد اجتمعت فيه الشروط الثلاثة المشار إليها، فيكون قد امتلك المرجعية الإسلامية في النظر الكلي إلى الموضوع، فهو يستحضر مقاصد الإسلام العامة فيما يتعلق بالإنسان وسلوكه وعلاقاته ودوره الاستخلافي،ويستحضر نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية ذات الصلة بالمراحل التي يمر بها الإنسان في نموه الجسمي والنفسي والاجتماعي. وبهذه المرجعية يتعامل مع تراث المسلمين حول الموضوع، في أبواب الفقه والتاريخ والفلسفة والتصوف وغيرها، ليبني من ذلك إطاراً مرجعياً حول علم نفس النمو، وربما يجد بعض التراث الإسلامي المتخصص في الموضوع. وسوف يكون لديه القدرة على التحليل النقدي لهذا التراث، فربما يجد فيه أفكاراً حية لا بد من تفعيلها، وربما يجد فيه فلسفات دخيلة تتناقض مع أساسيات المرجعية الإسلامية، وبعض هذا التراث خبرات تتلبس بظروف الزمان والمكان، فيأخذ علماً بذلك، ويستصحبه في مسيرته في البحث والنظر. 

بهذه المرجعية وبهذا الاستصحاب للتراث يدخل إلى المعرفة المعاصرة في علم نفس النموّ (والمقصود تحديداً المعرفة المعتمدة في الغرب الأوروبي والأمريكي) التي يجدها في الكتب والدوريات العلمية المتخصصة، ليجد فيه مشاهدات وتجارب وحقائق ومفاهيم وعلاقات وقوانين، تصف ظاهرة النمو في مجالاتها المختلفة الجسمية والعقلية والانفعالية ... إلخ. وبالحس النقدي المستند إلى المرجعية التي ينطلق منها سيكون الباحث المسلم قادراً على التمييز بين عناصر هذه المعرفة، وما قد يكون فيها من حقائق وصفية تتصل بالفطرة، أو تعميمات قادت إليها مناهج البحث وأدواته التي تتصف بقدر من الصدق والموضوعية والثبات. ولكن هذا الباحث المسلم ربما يستطيع تمييز تحيُّزات مارسها الباحثون والعلماء بسبب مرجعياتهم الدينية والمذهبية وسياقاتهم الاجتماعية والقومية. وسوف يجد تعدداً في وجهات النظر وتناقضاً بين نتائج التجارب المختلفة، فيكون على وَعْي بأنَّ المعرفة المعاصرة تتّصف بقدر كبير من النسبية، وسوف يجد أن العلماء والباحثين الذين أنتجوا ولا يزالون ينتجون هذه المعرفة على وعي بنسبية المعرفة وحدودها، حتى في إطارها الوصفي، فضلاً عن النظريات التفسيرية التي هي أشد قلقاً وأكثر عرضة للتبديل والتغيير، وأكثر التصافاً بالمرجعيات النظرية والإيديولوجية لواضعيها.

وهكذا فإن الباحث في علم نفس النمو ضمن مشروع إسلامية المعرفة حين يُدَرِّس مساقاً جامعياً في هذا الموضوع، سيكون قادراً على عرض موضوعات العلم بهذه الرؤية التحليلية النقدية، وحتى لو بدأ في تدريس المادة من مراجع غربية بهذه المنهجية فإنه سوف يمارس طريقةً في التفكير التحليلي النقدي هي أثمن ما يمكن أن يُعَلِّمَه لطلابه. وبهذه الخبرة في التدريس ربما يكون قادراً على تأليف كتاب جديد، وَفْق هذه المنهجية، يكون هو البديل الإسلامي المنشود في الموضوع.

مميزات العمل في مشروع إسلامية المعرفة

ولمزيد من التوضيح نعيد صياغة الشروط الثلاثة المشار إليها في خصائص ومميزات الممارسة العلمية في مشروع إسلامية المعرفة؟

أولاً: إنها تتضمن بناء رؤية العالم الإسلامية للكون والحياة والإنسان، التي تحْكُمُ فهمَ الباحث لميدان بحثه هدفاً وطريقة ونتيجة.

ثانياً: إن النصوص المرجعية ذات الصلة بموضوع البحث حاضرة في وَعْي الباحث، تمكنه من التعامل مع هذه النصوص بناءً على الخبرة البشرية المعاصرة.

ثالثاً: إن الباحث على اطلاع جيد على مجمل التراث الإسلامي في مجالات العلم المختلفة الذي دار حول الموضوع، وهو مستوعب لهذا التراث في إطار النصوص المرجعية الحاكمة.

رابعاً: الباحث على درجة من "التَّمَكُّن" من المعرفة المعاصرة حول الموضوع في أحدث أوعيتها من كتب منهجية، وموسوعات مرجعية، ومجلات دورية، مع الوعي على تاريخ ذلك الموضوع، والفلسفات التي ينطلق منها الباحثون المعاصرون، والنظريات التي تُتَوِّج هذه المعرفة.

بعض أوجه النقد

وإذا كان الأمر على هذه الدرجة من الوضوح، فمن أين يأتي النقد الموجه للمشروع؟ وكيف يمكن مناقشته؟ فيما يأتي أمثلة على بعض وجوه النقد التي يتوجه للمشروع من داخل الدائرة الإسلامية، ضاربين صفحاً عن ذلك النقد الذي يتوجه من شخصيات وفئات لا ترى للدين موقعاً في العلم والمعرفة، إما لأنَّ العلم لا يؤمن بدين، أو لأن الفصل والاستقلال الكامل خيرٌ للدين والعلم معاً!

1.    العمل ضمن المشروع بهذه الشروط والمواصفات ليس ميسوراً؛ فمَنْ الذي يمكن أن يتحقق له، وتتحقق فيه، تلك الشروط الثلاثة وهذه المزايا الأربعة؟

والجواب على ذلك أن الأستاذ الجامعي -في أي بلد في العالم، ومهما كان دين ذلك البلد وثقافته- الذي لا يتصف بالتمكن من موضوع علمه: تاريخاً وفلسفة، وقوانين ونظريات، وقدرةً على البحث ومواصلة الإنتاج العلمي فيه، لا يجوز أن يُؤْتَمن على تدريس ذلك الموضوع، وأن يشغل مهنة التدريس في الجامعة.

أما الأستاذ الجامعي المسلم، الذي نطمع أن يمارس عِلْمَه ضمن رؤية إسلامية المعرفة ومشروعها، فسيكون عليه بصفته أستاذاً جامعياً وحسب، أن يتصف بذلك التمكن، مَثَلُه في ذلك مَثَلُ أي أستاذ جامعي متميّز في أي مكان. ثم سيكون عليه بصفتهأستاذ جامعياً مسلماً أن يواصل استكمال عُدَّته العلمية وتنمية قدراته العملية فيما يختص بالمرجعية الإسلامية، في القرآن الكريم والسنة النبوية، والتراث الإسلامي، على وجه الإجمال، مستعيناً في بذلك بغيره من الباحثين الذي استكملوا تلك العُدَّة والقدرات على وجه التفصيل بحكم التخصص.

وبذلك تتضح مسألة أخرى في الإجابة الممكنة على السؤال الخاص بمميزات العمل في مشروع إسلامية المعرفة، وهي مسألة الوعي على التداخل في التخصصات، والتكامل في الخبرات، والتعاون في استكمال متطلبات البحث والإنجاز المتميز من خلال فرق البحث التي يكون لكل عضو فيها عمقٌ خاص في أحد متطلبات البحث، ليغطي به حاجة الفريق.

2.    إذا كان من الصعوبة أن تتحقق شروط العمل في المشروع للباحث الواحد، فأنّى للعدد الوافر من الباحثين أن تتحقق لهم وفيهم هذه الشروط، ليحدث من خلالهم التغير المنشود في ساحة البحث والتعليم؟!

صحيح أنه سيكون من الصعب على الباحث الفرد التحقق بكل تلك المتطلبات والشروط، لا سيّما إذا لم يتيسر له المرور بهذه الخبرات ولم يتح له تعلّمها والتدرب فيها؟! وهذا يعني أن الغالبية العظمي لن يتمكنوا من ذلك فرادى، فيكون العمل ضمن الفرق العلمية والبحثية والانعماش في حياة الجماعات العلمية المتخصصة من الوسائل الممكنة.

لكن الأكثر أهمية في الإجابة عن السؤال، أن صعوبة تحقق الغالبية العظمي من الباحثين بتلك الشروط لا يعني استحالة تحقق العدد القليل منهم. فإذا تحقق ذلك في عدد قليل من العلماء والباحثينفهذا في الحقيقة هو ما يلزم، فالوقائع في تاريخ العلم وتاريخ الشعوب أن هذا العدد القليل من العلماء والباحثين هوما تتحقق به "القفزات" العلمية، التي تقود عَمَلَ الغالبية،فتتواصل بذلك حركة العلم في كل مجالاته، ونمو المعرفة في كل موضوعاتها، وعند كل أمة، وفي كل زمان ومكان. ألا نستطيع أن نَعُدَّ العلماء الذي لمعت أسماؤهم في تاريخ كل علم؟ وفي كل أمة؟ في القديم والحديث؟!

فالمطلوب في حركة الإصلاح العلمي والمعرفي ضمن هذا المشروع هو وجود عدد من الرواد الذين يتفوقون على غيرهم في القدرة على امتلاك متطلبات الإبداع والإنجاز المتميز بحثاً واكتشافاً وتأليفاً، والمطلوب أن يتوفر هذا العدد ليجد حوله من يعملُ بين يديه، فتتسع دائرة اختبار الإنتاج المتميز، وتتعدد ميادين توظيفه.

3.    يركز مشروع إسلامية المعرفة على المعرفة المعاصرة، التي تأسر من يحاول أسلمتها وتستلبه، أليس من الأفضل والأيسر البدء بإنتاج معرفة إسلامية جديدة انطلاقاً من القرآن الكريم والسنة النبوية؟!

 لعل هذا السؤال من أهم ما قدمته الرؤى النقدية لمشروع إسلامية المعرفة.فبدلاً من صرف الوقت والجهد في هذا المشروع المعقد، يمكن البدء بإنتاج معرفة إسلامية جديدة في كل ميدان من ميادين المعرفة، ففي القرآن الكريم والسنة النبوية، ما يلزم أن نبدأ به لإنتاج معرفة إسلامية صرفة، وبذلك يكون لدينا علم اجتماع إسلامي، وعلم نفس إسلامي، وعلم اقتصاد إسلامي، وهكذا، وعندها ستكون هذه العلوم أفضل من العلوم الحديثة التي انطلقت من معتقدات دينية أخرى، أو منهجيات تستبعد أن يكون للدين مكان في العلم والمعرفة، وبهذه العلوم الإسلامية نستطيع أن نقيم حضارة جديدة بديلاً عن الحضارة العالية الحالية.

ومنطق هذا النقد له وَجَاهَتُه؛فبدء عملية الأسلمةللمعرفة المعاصرة ربمايأسر الباحث ويحجبه على الرؤية الإسلامية الصافية للموضوع. ويصوغ هذا النقد حجته بالقول إن البدء من الواقع ثم العودة إلى النص، سوف يسيطر على تفكير الباحث، ويصرف طاقته في تفاصيله بدلاً من صرفها في بناء الأسس المعيارية للعلم اعتماداً على القرآن الكريم، ثم يسهل عليه بعد ذلك عرض المعرفة المعاصرة على تلك الأسس المعيارية لنقدها وتقييمها، فالأمر في النتيجة هو بمثابة وضع العربة أمام الحصان!

وللإجابة على هذا النقد، يلزم استحضار متطلبات العمل في المشروع وشروطه، فهل ما ذكره المشروع، من هذه المتطلبات والشروط، يعني البدء بالمعرفة المعاصرة، وحسب؟ أم إنه يبدأ بها متسلحاً بمرجعية حاكمة وبعُدَّةٍ منهجية مهيمنة؟!

ثم إن العمل على بناء أسس معيارية لكل علم من العلوم اعتماداً على القرآن الكريم والسنة النبوية هو عمل مطلوب، وهو جزء أساسي من المشروع، فهو خط من خطوط التأسيس في مشروع إسلامية المعرفة الذي يستعين به العاملون في خطوط المشروع الأخرى ولكنه ليس بديلاً عن التعامل مع المعرفة المعاصرة.

إننا نعيش في واقع من العلوم والمعارف وتطبيقاتها في كل الميادين، ولا نملك بديلاً حاضراً عن التعامل مع هذا الواقع العلمي والمعرفي. ولكننا نتعامل معه بوعي وبصيرة، فهو في أيدينا نُقَلِّبُه، ونختبره، ونميّزحدودهومشكلاته، والحقيقة أن هذا ليس شأنَنا وحْدَنا معه، بل شأن أصحابه الذين أنتجوه، فهم أقدر منا على معرفة حدوده ومشكلاته. لذلك لا نستطيع أن نتخيل كيف يمكن أن لا نتعامل مع المعرفة المعاصرة في الطب أو الهندسة أو الزراعة أو المنتجات التقانية، تعلماً وتعليماً، واختباراً وتحقيقاً، إن لم يكن إنتاجاً وتوظيفاً!فهل نستطيع أن نتخيل تعطيل الجامعات أو بعض الكليات في الجامعات لنعيد بناء علوم التربية والنفس والاجتماع والاقتصاد والإدارة ...؟ وهل البديل عن ذلك هو ممارسة التعليم في الجامعات في كل هذه العلوم على حالها، دون التحليل النقدي لها، انتظاراً لما قد ننتجه من بديل إسلامي لهذه العلوم بدءاً من الصفر واعماداً على القرآن الكريم؟!

إن الأسس المعيارية التي يلزم بناؤها لعلم من العلوم منطلقين من القرآن الكريم والسنة النبوية، ومع الاستعانة بالتراث الإسلامي، هي أسسٌ لِعِلْمٍ؟ فما هو هذا العلم؟ ما حقائقه وقوانينه ونظرياته التي سوف نحاكمها بناءً على الأسس المعيارية القرآنية؟

إنَّ القرآن الكريم هو "ذلك الكتاب، لا ريب فيه، هدى للمتقين" و "إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" ولكننا إذا أردنا أن نهتدي بهداية القرآن الكريم في علم معين أو موضوع معين من موضوعات ذلك العلم، فإننا سوف نتوجه إلى القرآن الكريم بما لدينا من أسئلة عن ذلك العلم أو ذلك الموضوع، أسئلة تتأطر إجاباتها بهداية القرآن. فمن أين نأتي بهذه الأسئلة إذا لم نتعامل مع المعرفة المعاصرة في ذلك العلم؟

إن موقف الداعين إلى البدء بجهود بناء العلوم من جديد -اعتماداً على القرآن الكريم والسنة النبوية- ربما يعبر عن  عجز عن التعامل مع العلوم المعاصرة برؤية تحليلية نقدية، وبهدي من القرآن الكريم والسنة النبوية، فيجدون الأيسر لهم والأسهل عليهم رفضها جملة وتفصيلاً، والبدء من الصفر. ويرون أن المعرفة البشرية السائدة اليوم نبتت في غير بلاد المسلمين، وأنها انطلقت من رؤية علمانية تتنكر للوحي، وتتمركز حول مصالح الشعوب التي أنتجتها، فلن يكون منها ولا فيها فائدة للمسلمين، ولا يتوقع منها أن تسهم في إصلاح شؤونهم. وإحدى مشكلات هذا الفريق أنهم يتخيلون أن دعاة إسلامية المعرفة غرباء عن المرجعية الإسلامية وأن هؤلاء الدعاة يتخذون القرآن والسنة وراءهم ظهرياً.

موقع هؤلاء ربما يأتي من الهزيمة النفسية والعجز العملي. فأصحابه يتجاهلون أمرين:

الأمر الأول: أن المعرفة المعاصرة تتضمن حقائق ومفاهيم وقوانين، يصفُ أكثرُها الوقائع والطبائع في الأشياء والأحداث والظواهر الطبيعية والاجتماعية، وصفاً كمياً وكيفيا بصورة جيدة، لا يجد العقل المسلم مشكلة في التعامل معها، وربما الانتفاع بها، وإن كان ثمة مشكلات حتى في هذا المستوى من المعرفة، فهي مشكلات يعرفها أهلها ويعترفون بها، ويسعون جاهدين لحلها. أما المشكلة التي على علماء المسلمين مواجهتُها فهي في مستويات التفسير النظري والتوظيف العملي، وهنا تأتي مسؤولية العقل المسلم المعاصر في الاجتهاد بصورة أفضل من اجتهادات العقل الآخر. فالمطلوب هنا هو اجتهاد في فهم الوقائع والطبائع في ضوء هداية الوحي الإلهي، يكون أقرب إلى الحقيقة التي يسعى أهل الاجتهاد العلمي في الاقتراب منها. والمطلوب هنا كذلك اجتهاد في توظيف المعرفة العلمية في ما يفيد تزكية الإنسان وإقامة العمران. ولا نشك في أن إسهام العلماء المسلمين في سائر ميادين العلم عندما يقفون على قمة هرم العلم في أي تخصص مع زملائهم من أهل المذاهب الأخرى سيكونون في منزلة القيادة والريادة.

الأمر الآخر: الذي يتجاهله أصحاب الدعوة إلى البدء من الصفرهو الواقع التاريخي لسائر الأمم، بما في ذلك الأمة الإسلامية. فالمعرفة البشرية لا تنتسب في مجملها لشعب أو أمة أو حقبة تاريخية محددة، وإنما هي تراكم إنجازات الشعوب والأمم عبر الأجيال والقرون. لم نجد أمة من الأمم بدأت فهمها للأشياء والظواهر من الصفر، وإنما بَنَتْ على ما وصلها ممن سبقها، فصحّحت وصوَّبت، وطوَّرت وأضافت، وجاءت بعدها أمم أخرى ففعلوا الأمر نفسه، وهكذا.

لكن ذلك لا يعنى أن نغفل أن كل أمة تطبع ما تنتجه من معرفة بطابعها الثقافي والفكري، وعلى الأمم الأخرى، المعاصرة لها أو التي تأتي بعدها، أن تكون واعية على هذا الطابع، حين تأخذ وتدع، وحين تُعدل وتضيف، وحين توِّظف وتنتفع، حتى تعيد طبع ما يكون لها في نهاية المطاف من إنجازات بطابعها الفكري الجديد، وهكذا.

إن الأمة الإسلامية في أوج نقائها الاعتقادي وزخمها النفسي لم تخترع –من الصفر-علوم الإدارة، ومعارف الطب، وفنون الحرب، وهندسة العمران،فكلما احتاجت إلى شيء من ذلك أخذت بما وجدته متاحاً، ومع حسن الاستعمال وتطور الخبرة، عدَّلت وطورت، ثم أنشات من جديد. وما أورده المؤرخون حول استعمال الديوان، في المدينة والعراق ومصر والشام، والفارق الكبير بين خبرة بناء مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة، وبناء مسجد قبة الصخرة في القدس أو الجامع الأموي في دمشق، واستعمال العملة الرومانية والفارسية حتى بما كان عليها من نقوش دينية غير إسلامية،أمثلة على استعمال الأمة لما كان متاحا من المواد والخبرات والعلوم قبل أن يتاح لها المجال التطوير والتصحيح أو للبناء من جديد.

وأمثال ذلك كثير طيلة عهود الإسلام. ومثل ذلك حصل للناس في سائر الأمم على مدار

بعض الجدل حول بداية الإصلاح المعرفي!

بقلم فتحي حسن ملكاوي