سبق المحدثين في استخدام مناهج البحث العلمي: الحكم على الرواة نموذجاً

 

 

سبق المحدثين في استخدام مناهج البحث العلمي:

 

الحكم على الرواة نموذجاً

عبد العزيز محمد الخلف*

الملخص

يحاول هذا البحث أن يثبت أنَّ علماء المسلمين في عهود التدوين، كان لهم السبق في ابتكار القواعد المنهجية، وأن عملية الحكم على رواة الحديث النبوي كانت تعتمد على هذه القواعد، بعيداً عن الهوى والتشهي والأغراض السيئة. إنّ تعامل العلماء اليوم في أبحاثهم بطريقة مختلفة لما عليه علماء الحديث في الأمس، لا يلغي أسبقية علماء الأمس في هذا الميدان، فذلك شأن كل العلوم؛ إذ بدأت ملامحها عامة وخطوطها عريضة، ثم وضِّحت وفصِّلت وقنّنت مع تطور الزمن وتظافر الجهود.

ويهدف البحث إلى بيان ملامح المنهجية العلمية في جهود البحث عن أحوال الرواة، مع محاولة ربط الجانب التأصيلي بالجانب التطبيقي، ممثلاً لذلك بنماذج من مناهج علمية ذائعة الصيت كالتحليل والمقارنة والاستقراء.

الكلمات المفتاحية: المنهج العلمي، البحث العلمي، المحدثون، رواة الحديث، التحليل، الاستقراء، المقارنة.

Pioneering Role of Early Hadith Scholars' in Utilizing Scientific Research: Qualifying the Narrators As a Model

Abstract

This study demonstrates that early Muslim Scholars in the 'Documentation Period' had the lead in formulating methodological rules, and that the process of judging the Hadith narrators was based on these rules rather than mere whims and opinions. The difference in contemporary scholars' research methodology from that of early Hadith scholars does not rule out that earlier scholars have had the lead in this field. It is a rather similar process in all sciences in which features start out broad and general, then are detailed, clarified, and codified with the development of time and concerted efforts.

The study highlights the features of scientific method in research efforts to discern the conditions of narrators, in theory and in practice, using well-known models of scientific methods such as analysis, induction and comparison.

Keywords: scientific methodology, research, Hadith scholars, Hadith Narrators, analysis, induction, comparison.

مقدمة:

من الأمور المعلومة بداهة أن لا سبيل إلى معرفة ما جاء عن النبي  من أحاديث وأخبار إلا عن طريق الرواة الذين نقلوا أخباره، جيلاً بعد جيل، وطبقة بعد طبقة، حتى دُوِّنَت السنة في الكتب المعتمدة المعروفة، ولذلك كان الاطلاع على أحوال هؤلاء الرواة والنقلة، وتتبع مسالكهم، وإدراك مقاصدهم وأغراضهم، ومعرفة مراتبهم وطبقاتهم، وتمييز ثقاتهم من ضعافهم هو الوسيلة الأهم لمعرفة صحيح الأخبار من سقيمها، مما نتج عنه نشوء علم عظيم وضعت له القواعد، وأسست له الأسس والضوابط، فكان مقياساً دقيقاً ضبطت به أحوال الرواة، من حيث التوثيق والتضعيف، ذلك هو (علم الجرح والتعديل)، الذي لا نظير له عند أمة من الأمم، حتى عُدَّ هذا العلم نصف علم الحديث.

والذي يطالع كتب الرجال والتراجم والجرح والتعديل، يقف مبهوراً أمام هذا العلم الذي لا يمكن أن يكون وضع صدفة أو تشهياً، بل بذلت فيه جهود، وفنيت فيه أعمار، حتى بلغ قمة الحسن ومنتهى الجودة.

وتتناول هذه الدراسة الحديث عن ثلاثة مناهج ذائعة الصيت في الوسط العلمي، وهي: المنهج التحليلي، والمنهج المقارن، والمنهج الاستقرائي؛ إذ يتم التعريف بها كما هي عند أرباب المناهج العلمية في العصر الحديث، وإيراد نماذج من استخدام المحدثين لها في أبحاثهم الحديثية. وعلى الرغم من أن مناهج البحث قد استخدمت عند المحدثين في شتى أنواع العلوم الحديثية، سواء ما يتعلق بالمتن أو السند، إلا أن هذه الدراسة تقتصر على جانب البحث عن أحوال الرواة عند المحدثين.

ومع أن الموضوع لم يحظ بالعناية الكافية من الباحثين والمؤلفين في علم الحديث، فإنه لا بد من الإشارة إلى جهود مصطفى الأعظمي في كتاب "منهج النقد عند المحدثين"، الذي كان خطوة في هذا الاتجاه، على الرغم من أن المؤلف اقتصر على المقارنة بوصفها المنهجية الحديثية الوحيدة، وأقام بحثه على خطى قواعدية لا منهجية في موضوع أحوال الرواة. وكذلك فإنّ كتاب نور الدين عتر "منهج النقد في علوم الحديث" يعدّ خطوة أخرى في هذا الاتجاه، رغم أنه لم يشر إلى أي ملمح منهجي تقوم عليه العملية النقدية، وإنما أشار من خلال ترابط أنواع علوم الحديث إلى وجود نظرية نقدية كاملة، وهو أمر مختلف تماماً عما يريد هذا البحث أن يدلل عليه.

أولاً: تطور فكرة المنهج في العلوم الإسلامية

إن الحديث عن البحث العلمي ومناهجه هو حديث عن الإنسان في محاولاته المستمرة عبر تاريخه الطويل للوصول إلى المعرفة، وليست الحضارة قديمها وحديثها إلا ثماراً تنتجها الجهود الإنسانية المضنية في البحث في أشياء الكون وظواهره ومحاولة فهمها، وتفسيرها، وتطويعها لخدمة الإنسان، والارتقاء بحياته.

ومنذ أن بدأ الإنسان البحث عن حقائق الأشياء، والتنقيب عن أسرارها بصورة عقلية منظمة، قيل عنه -في تاريخ التفكير الإنساني- إنه قد تفلسف، على أساس أن الفلسفة في أقدم معانيها هي حب الحقيقة والبحث عنها. ومما لا شك فيه أن التطور الحاصل على المنهج بوصفه طريقة التفكير السليمة للعقل البشري كان بطيئاً جداً، فقد استغرق هذا التطور عدة قرون حتى وصل إلى شكله الحالي.

وهذا ما يجعلنا نقول –ونحن نحاول تتبع هذه الفكرة في العصور الإسلامية- إنَّ المنهج قد اتكأ على نتاج العصور السابقة، وكان من الطبيعي أن يفيد العرب من الحضارات والمناهج والمعارف السابقة لهم، فالحضارة الإنسانية عِقْدٌ متصل الحلقات، والحضارة الإسلامية حلقة الوصل بين ما قبلهم من اليونان والهنود وحضارة أوروبا في عصر النهضة، إلا أن المسلمين لم يكونوا ناقلين لعلوم من سبقهم فحسب، بل أضافوا إليها كثيراً من العلوم والفنون ذات الأصالة العلمية.

لقد اتبع علماء المسلمين في جهودهم العلمية أساليب مبتكرة في البحث، فاعتمدوا على الاستقراء والملاحظة، واستعانوا بأدوات القياس للوصول إلى النتائج العلمية، ونبغ منهم كثيرون، منهم: الحسن بن الهيثم، وجابر بن حيان، ومحمد بن موسى الخوارزمي، والبيروني، وأبو بكر الرازي، وابن سينا، وغيرهم.

ولكن الفكرة التي كانت تسود الأوساط العلمية لدى الباحثين –شرقيين وأوروبيين- "أن المنطق الأرسططاليسي قوبل في العالم الإسلامي –حين توالت تراجمه- أحسن مقابلة. فسرعان ما اعتبرته المدارس الإسلامية –على اختلاف نـزعاتها وتباين أغراضها- قانون العقل الذي لا يرد، والمنهج العلمي الثابت؛ تعاريفه وحدوده ثابتة، وأحكامه وقضاياه مسلَّمة، وأقيسته منتجة لليقين وموصلة إلى العلم... وبهذا حلَّ الباحثون مشكلة المنهج في العالم الإسلامي. إنَّ هذا المنهج كان أرسططاليسياً، إنْ كان في كلياته وإنْ في تفصيلاته."

ولكن الأبحاث المتأخرة التي تناولت نشأة المنهج في العالم الإسلامي أثبتت مجانبة هذه الفكرة للصواب؛ إذ كانت الروح الإسلامية تستمد مقوماتها من بيئة مخالفة، وجنس مخالف، وتصور حضاري جديد، وتنأى أشد النأي عن النظر في العوالم اليونانية الفكرية من ميتافيزيقيا وفيزيقيا وغيرهما. فكان من المحتم أن يكون لها منهج في البحث مختلف أشد الاختلاف عن منهج اليونان، تستمد مقوماته من حضارتها العلمية بحيث يكون طابع تلك الحضارة الأساسي وجوهرها الوحيد.

ويؤكد ذلك أنَّ للمنهج ارتباطاً وثيقاً بالأصول الاعتقادية، "فإذا كانت العقيدة مادية كان المنطق المسيطر على الأجوبة منطقاً مادياً، وإن كانت العقيدة تصورية مثالية نَحَتْ نظريات البحث منحىً تصورياً مثالياً. ومن ثم يمكن القول: إن مبادئ التوحيد الإسلامي أو أصول الإيمان الإسلامية، لا بدّ أن تكون هي الأصول الاعتقادية الأولية لمناهج البحث في الإسلام، أو بتعبير آخر نقول: هي الأصول العقدية لمنطق الإسلام ونظرية المعرفة. وبالمثل فإن الأيديولوجيات أو الفلسفات والعقائد الجاهلية هي الأصول الفلسفية لمناهج البحث عند أصحابها، سواء استطاعوا أن يوافقوا بين هذه العقائد وبين هذه المناهج أو تعسفوا في ذلك، فإنهم لا يمكنهم إنكار الصلة الوثيقة بين العقيدة والمنطق أو بين العقيدة والمنهاج."

وهذا ما يجعلنا نعتقد أن الفكر الإسلامي تجاوز الحدود الصورية لمنطق ِأرسطو، بل وعارض المنهج القياسي العلمي، وخرج على حدوده، إذ إن الأقيسة المنطقية أحكام ذهنية، والموجودات الخارجية متشخصة، فالتطابق بينهما غير يقيني؛ لأن المادة قد تحول دون ذلك.

يقول الدكتور محمد زيان عمر: "وقد ظل المفكرون فترة طويلة يسيرون داخل دائرة أسلوب أرسطو، حتى حمل العرب شعلة الحضارة الفكرية للإنسان، فكان لهم فضل وضع الفكر الإنساني في مساره الصحيح على طريق الأسلوب العلمي في البحث. فالفكر العربي في جوهره فكر تجريبي تجاوز حدود المنطق الصوري، حيث اهتم العلماء العرب بالملاحظة والتجريب بجانب التأمل العقلي، كما اهتموا بالتحديد الكمي واستعانوا بالأدوات العلمية في القياس. ولا يستطيع الدارس للنهضة العلمية العربية أن يغفل اهتمام العرب بالتجارب للوصول إلى المعرفة. ولذلك نجدهم نبغوا في العلوم التي تعتمد على الاستقراء وعلى اختبار الحقائق اختباراً تجريبيا مثل الفلك والطبيعة والكيمياء وغيرها."

إضافة إلى ذلك، لا بدّ من القول بأن الفكر الأوروبي في عصر النهضة لو لم يتكئ على نتائج أبحاث علماء المسلمين لاضطر إلى الانطلاق من نقطة الصفر، الأمر الذي يجعل نهضته تتأخر عصوراً كثيرة. يقول سارتون Sarton أحد مشاهير العلماء الأمريكيين في تاريخ العلوم: "لقد كان العرب أعظم معلمين في العالم في القرون الثلاثة: الثامن، والحادي عشر، والثاني عشر الميلادي، ولو لم تنقل إلينا كنوز الحكمة اليونانية لتوقف سير المدنية بضعة قرون، فوجود حسن بن الهيثم وجابر بن حيان وأمثالهما كان لازماً وممهداً لظهور غاليليو ونيوتن، ولو لم يظهر ابن الهيثم لاضطر نيوتن أن يبدأ من حيث بدأ ابن الهيثم، ولو لم يظهر جابر بن حيان لبدأ غاليليو من حيث بدأ جابر."

ويقول بريفولت Briffault "إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس هو ما قدموه لنا من اكتشافهم لنظريات مبتكرة غير ساكنة. إن العلم يدين للثقافة العربية بأكبر من هذا؛ إنه يدين لها بوجوده... إن علم النجوم ورياضيات اليونان كانت عناصر أجنبية لم نجد لها مكاناً لائقاً في الثقافة اليونانية. قد أبدع اليونان المذاهب وعمموا الأحكام، ولكن طرق البحث، وجمع المعرفة الوضعية وتركيزها، ومناهج العلم الدقيقة، والملاحظة المفصلة العميقة، والبحث التجريبي، كانت كلها غريبة عن المزاج اليوناني. إن ما ندعوه بالعلم ظهر في أوروبا كنتيجة لروح جديد في البحث، ولطرق جديدة في الاستقصاء، طريق التجربة والملاحظة والقياس، ولتطور الرياضيات في صورة لم يعرفها اليونان. وهذه الروح وتلك المناهج أدخلها العرب إلى العالم الأوروبي."

ولكن هذا الذي نقوله لا يعني بالضرورة أن العلماء المسلمين كانوا متوجهين بكليتهم إلى صياغة النظريات التي ترسم حدود التفكير البشري وتوضح سمات المنهج العلمي، بل إن الأمر قد يكون على العكس من ذلك، فهم رغم تفوقهم العلمي في تلك العصور، إلّا أنَّ توجهم ركّز على تطوير العلوم لا على ابتكار نظريات تحكم تلك العلوم؛ لأنهم كانوا يسيرون في أبحاثهم وفق منهج علمي تشربته عقولهم عملياً، وإن لم تكن قد رسمته أقلامهم نظرياً.

ولهذا الذي نقوله أسباب عدة، منها ما قاله روزنتال: "إن الشرق لم يستسلم الاستسلام كله لخطر إحلال الفلسفة الكلامية المحدودة النطاق محل التراث الفكري الخصب المتنوع، أما الغرب الذي لم يكن يعرف شيئاً يذكر سوى الفلسفة الكلامية، فقد أدى به فقره الفكري إلى وضع نظام صارم للبحث العلمي. وبما أنه لم يكن عند الغربيين سوى عدد محدود من الأفكار لم يبق لديهم سوى تشريح هذه الأفكار ثم إعادة تركيبها مرة بعد أخرى. وهذه الطريقة التي اتبعها الغرب أسفرت عن خلق ألوان رفيعة من طرق العرض الأدبي."

هذا ما يتعلق بالعلوم عموماً، أما ما يخص علم الحديث فإنه ليس يخفى على أحد أنَّ هذا العلم الذي ابتكره جهابذة العلماء قام على منهج علمي بلغ القمة في دقته، ذلك أن نقاد الحديث اتبعوا كل الوسائل العلمية والنقدية التي من شأنها أن تصل إلى الحكم الصادق على الراوي، من تحليل واستقراء ومقارنة.

فالمنهج الإسلامي في الرواية منهج ملاحظة مباشرة، وتجربة تقوم على التثبت والتحري، والدقة في النقل، والصدق في الأداء، وهذا المنهج فيه من خصائص المنهج العلمي الشيء الكثير، فهو منهج استقرائي يقوم على التجربة والملاحظة المباشرة، ويبدأ من الجزئيات، وينتهي بالكليات. وليس هو منهج أسلافنا في الرواية فحسب، بل إنه المنهج المعبِّر عن روح الحضارة الإسلامية عامة.

إلا إنهم رغم أصالة هذا المنهج ودقته عندهم، لم يكونوا يبدون اهتماماً لإظهار ملامح هذا المنهج والخيوط العريضة التي يدور في فلكها، بل كانوا يتعاملون في غالب أحيانهم على أن سامع أقوالهم خبيرٌ بمقاصدهم، مدركٌ لأساليبهم. وكذلك كان الشأن في كل الأوساط العلمية التي تناولت ميادين العلوم الأخرى.

وهذا ما يجعلنا نميز بين منهج المتقدمين والمتأخرين؛ إذ لا ندَّعي أن المتقدمين قد تعاملوا مع أنواع المناهج المعروفة اليوم بسماتها وخصائصها الراهنة، بل إنهم كانوا ينطلقون وفق عمليات فكرية تقودهم إلى النتيجة، لا بشكل منظم منسق مسبق، بل بشكل طبيعي دون تعقيد وترتيب وتنظيم، وهذا ما جعل أبحاثهم تحمل روح المنهجية العلمية دون أسمائها وشكلياتها. وهذا ما يجعلنا نوقن بوجود المنهجية العلمية في أبحاثهم، كما نوقن بضرورة أن نركز في أبحاثنا على إبراز ملامح المنهجية ومعالمها، وفق الأطر المنهجية الحديثة.

ولكي يزداد الأمر وضوحاً يمكن القول: إن كثيراً من موضوعات علم أصول الحديث التي تناولها المتقدمون قبل المتأخرين بالبحث والدرس، تحتاج بحثاً منهجياً للوصول إلى حكم صادق فيها، وخذ على سبيل المثال: المنهج الاستقرائي، فإنك إذا نظرت إلى علم أصول الحديث وجدت كثيراً من مباحثه مبنية على الاستقراء؛ فقضية التواتر، والعدالة، وعدم الشذوذ، والتعليل، والقطع بثبوت الخبر وظنيته، وقضية الغرائب والتفرد، والمتابعة والشاهد، والمحكم من الحديث، والناسخ والمنسوخ، والمبهم، والمسلسل، والمعنعن، وغيرها من القضايا، جميعها تقوم على الاستقراء، ولا يمكن الحكم بوجودها؛ نفياً أو إثباتاً، أو بتوصيفها إلا بعد أن يقوم الناقد باستقراء جزئيات بحثه ليعطي تعميمه في المسألة. ولا بدّ من الملاحظة أن غاية هؤلاء العلماء في سعيهم إلى الدقة والموضوعية، كانت دوماً الوصول إلى مرضاة الله تعالى بنصرة دينه وذب الكذب والخطأ عن سنة نبيه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. ولا أدلَّ على الابتكار في هذا المنهج من النظرة التاريخية إلى كيفية حفظ الأمم لكتبهم الـمُنْزَلة على أنبيائهم.

والناظر في الفترة التي أعقبت وفاة رسول الله  وارتحاله على الرفيق الأعلى، يجد أن الجو كان فارغاً من أي تأصيل أو أثر من قاعدة تتبع في أصول حفظ الوثائق وضبطها، بل كان واقع الأمم مظلماً؛ إذ فرَّطت في كتبها المقدسة، وتلقفت أقاويل وأقاصيص خرافية لَبَّست بها كتب دينها، مما يدل على خطورة المهمَّة العظمى التي تحَمَّلَها الصحابة رضي الله عنهم، ليؤدوا الحديث كما سمعوه، وكما قاله رسول الله .

ثانياً: المنهج التحليلي:

1. التعريف بالمنهج التحليلي عند أرباب المناهج العلمية في العصر الحديث:

التحليل في اللغة مصدر للفعل (حلل)، ويأخذ عدة معانٍ منها: حَلُّ العقدة، وهو الأصل في استعمال هذه الكلمة، والخروج من الشيء، والتكفير عن شيء، وإرجاع الشيء إلى عناصره الأولى. أما في الاصطلاح فإنَّ التحليل يأتي بمعنى "عزل صفات الشيء أو عناصره بعضها عن بعض، حتى يمكن إدراكه بعد ذلك إدراكاً واضحاً."

والتحليل هو قسيم التركيب، ويذكرهما علماء المناهج في صورة كلمتين متلازمتين تعقب إحداهما الأخرى، فلا تركيب إن لم يسبقه تحليل، ولا تحليل ذا فائدة إن لم يعقبه تركيب.

والتحليل والتركيب عمليتان عقليتان يقوم بهما الصغير والكبير، والعالم والجاهل، إذ هما لب التفكير الإنساني سواء أكان علمياً أم غير علمي. وكون التحليل والتركيب من العمليات التي يمارسها الإنسان في تفاصيل حياته اليومية لا يفقدهما شيئاً من أهميتهما في المنهج العلمي عند المحدثين؛ إذ يستخدمهما غير الباحث بصورة عفوية لتستمر حياته في يسر وسهولة، بينما يستخدمهما الباحث أداةً تمكنه من الولوج في خبايا الأشياء ومكنوناتها، التي قد لا تظهر من النظرة السطحية السريعة، كما تمكنه من الربط بين الجزئيات التي قد لا تجد النظرة السطحية لها ناظما أو رابطاً، ولولاهما لما استطاع الناقد أن يقرأ ما وراء الخبر ويحلل ما بين السطور.

وبناء على ما سبق يمكن القول بأن التحليل يمر بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: تفكيك عناصر موضوع البحث وإرجاعه إلى أصوله الأولى.

المرحلة الثانية: إعمال الفكر في هذه العناصر المفككة بحثاً عن خبايا كل عنصر وخواصه.

المرحلة الثالثة: وقد تتوج هاتان المرحلتان بمرحلة ثالثة، وهي أن يتوجه الفكر إلى النتيجة المتوصل إليها عقب التحليل بالنقد والتقويم.

ويتبلور التحليل في ستة أنواع مختلفة، وذلك تبعاً للموضوع الذي يتناوله التحليل، وهذه الأنواع هي: التحليل السببـي، والتحليل البنائي الوظيفي، والتحليل المقارن، وتحليل المضمون، والتحليل المادي التاريخي، والتحليل الحضاري.

كما يمكن الحديث عن أنواع التحليل -إذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية أخرى، بالنظر إلى أداة التحليل– على أنها تنقسم إلى نوعين: التحليل العقلي، والتحليل التجريبي. ويطلق التحليل العقلي على العملية العقلية التي يقوم بها الباحث للوصول إلى بعض المعاني الجزئية الواضحة. وتنحصر هذه العملية بالانتقال من المجهول إلى المعلوم، وهو انتقال ذهني مجرد. أما التحليل التجريبي فهو العملية المادية التي تستخدم في عزل العناصر الأولية الحقيقة التي تدخل في تركيب إحدى الظواهر.

2. نماذج من استخدام المحدثين للمنهج التحليلي:

سنكتفي بأنموذجين من نماذج كثيرة تدلل على استخدام هذا النوع من المناهج عند المحدثين، مع بيان الأمثلة المؤكدة لما نقول:

- الأنموذج الأول: التحليل العقلي

يبغي النقاد من وراء بحثهم وتنقيبهم عن أحوال الرواة الوصولَ إلى حقيقة كل راوٍ من العدالة والضبط وأضدادهما، وهم في سبيل الوصول إلى هذه الغاية يسلكون عدة سبل. ويأتي التحليل بثوبه العقلي أحد هذه السبل التي قد يُتَوَصَّلُ بها إلى حال الراوي.

ولا بدّ قبل الخوض في بيان ميادين التحليل العقلي في عمل المحدثين من القول بأن استخدام المحدثين للعقل إنما كان في المكان الذي يستطيع فيه العقل أن يقول كلمة فاصلة تحسم الموقف، أما الأمور التي يجيز العقل وقوعها، كما يجيز عدم وقوعها، فإنه ليس بالإمكان إقحام العقل ليكون حاكماً فيها؛ إذ هي في أصلها من الجائزات العقلية.

فلا يُحْكَم بوساطة العقل على أن النبي  كان يأكل بيمينه، ويشرب بثلاثة أنفاس، وتحته عدة نسوة؛ لأن هذه الأمور جائزة الوقوع، كما أن أضدادها أيضاً جائزة الوقوع، فالعقل يجوّز أن يأكل النبي  بشماله، وأن يشرب بنَفَسٍ واحد، وأن يقتصر على زوجة واحدة. وسبيل الحكم في هذه الأمور هو: صدقُ المُخْبِر أو كذبُه، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي: "ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق الـمُخْبِر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت، وأكثر دلالات بالصدق منه."

وعلى ذلك فإن المجال الذي يستطيع العقل أن يحكم فيه يتناول أربعة مواطن: عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الرواة، وعند الحكم على الأحاديث.

وفيما يخص الحكم على الرواة فإن التحليل العقلي يتناول الجوانب الآتية:

أ. المرويات التي تخالف المعقول.

ب. حكم العقل بالرَّدِّ لمخالفة المروي ما هو ثابت معلوم.

ت. حكم العقل برَدِّ المروي لمخالفته التاريخ.

فإذا روى الراوي حديثاً يخالف فيه أحاديث أخرى ثابتة صحيحة، فإنَّ ذلك دليلُ كذبٍ أو خطأ؛ إذ يستحيل أن يصدر عن النبي  أمران متناقضان ولا يكون أحدهما كذباً أو خطأً. ومن أمثلة ذلك: ما رواه البخاري في ترجمة ابن أبي ذئب قال: "قال لي عبد الله بن محمد، حدثنا هشام قال: حدثنا معمر عن ابن أبي ذئب عن الزهري أن رسول الله  قال: ما أدري أعزيرٌ نبياً كان أم لا؟ وتُبّع لعيناً كان أم لا؟ والحدود كفارات لأهلها أم لا؟" وهذا الحديث يعارضُ حديثاً آخر صحيحاً، وهو الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنا عند النبي  في مجلس فقال: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا... فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعُوقِب به فهو كفارتُه، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه." قال الشافعي: "لم أسمع في هذا الباب أن الحدود تكون كفارة لأهلها شيئا أحسن من هذا الحديث."

ولا شك في أن أحد هذين الحديثين خطأ؛ إذ يستحيل صدورهما عنه ، لا سيَّما وهما من قبيل الأخبار التي لا يدخلها نسخٌ أو تخصيص أو تقييد، ولذلك قال البخاري معلِّقاً: "ولا يثبت هذا عن النبي ؛ لأن النبي  قال: الحدود كفارة."

وهذا استدلال بديع من الإمام البخاري رحمه الله، فقد اعتمد على الأحاديث الثابتة لرد الأحاديث المخالفة لها، وهذه المخالفة للثوابت، وإن لم تك كافية في الحكم بالوضع، لأنَّ الراوي قد يأتي بأحاديث مخالفة للثوابت خطأً، إلا أنَّ الحكم بخطئه من خلال هذه المقارنة أمر لا مرية فيه. وهذا الاستدلال مبني على استخدام العقل استخداماً محكماً، فالناقد في هذه الحالة لا ينظر إلى أسانيد المرويات، ولا يُشْتَرَط أن يكون مطلعاً على أحوال رواتها، بل إن التضاد بين الأخبار كافٍ لذلك.

- الأنموذج الثاني: التحليل التجريبي

من المعلوم أنَّ التجريب أداةٌ رئيسة من أدوات المنهج الاستقرائي، وهي تقوم على ملاحظة الظاهرة موضع الدراسة بعد تغيير بعض عناصرها للوصول إلى الحقيقة العلمية التي تنطوي عليها هذه الظاهرة.

وهذه الأداة يصعب استعمالها في العلوم الإنسانية، لأنها تحتاج إلى تغيير مستمر في عناصر المادة المدروسة، حتى يصل الباحث إلى المتغير المؤثر فيها، إلا أن المحدثين استطاعوا وببراعة تامة أن يحددوا أن أهم متغير في الراوي هو ضبطه لمروياته، وأن أهم ما يمكن ملاحظته من هذا التغير هو حال الراوي من ضبط أو غفلة. ولذلك فقد عمدوا إلى مرويات بعض الرواة الذين أرادوا امتحانهم واختبار مدى ثباتهم على ما عندهم، وما هم عليه من الضبط، فزادوا في مرويات بعض الرواة أحاديثَ ليست من مروياتهم، وهو ما يعرف بـ: (التلقين)، وغيروا وبدلوا أسانيد بعض الأحاديث فجعلوها لمتون غير متونها الصحيحة، وألحقوا متوناً بأسانيد ليست هي أسانيدها الصحيحة، وهو ما يعرف بـ: (القلب)، ثم جعلوا يترقبون ردة الفعل التي ستصدر عن الراوي الممتحن، فإن فطن فهو الثبت الحافظ، وإن ذهل ولم يتنبه لها فهو المغفل الذي لا يعتمد عليه.

ومن الأمثلة التي تدل على استعمال التحليل التجريبي كأداة للوصول إلى حال الرواة:

- ما حكاه أبو أحمد بن عدي قال: "سمعت عدة مشايخ يحكون: أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس، إلى كل رجلٍ عشرةَ أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجلٌ من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه. فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يُلْقى عليه واحداً بعد واحدٍ حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه. فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فَهِمٌ، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب رجلٌ آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يُلْقِي عليه واحداً بعد آخر، حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه. فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فرَدَّ كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقرَّ له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل."

- ما رواه ابن حبان بسنده عن أحمد بن منصور الرمادي؛ إذ قال: "كنا عند أبي نعيم نسمع مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: فجاءنا يوماً يحيى ومعه ورقة قد كتب فيها أحاديث من أحاديث أبي نعيم، وأدخل في خلالها ما ليس من حديثه، وقال: أعطه بحضرتنا حتى يقرأ. وكان أبو نعيم إذا قعد في تلك الأيام للتحديث كان أحمد على يمينه ويحيى على يساره، فلما خفَّ المجلس ناولته الورقة، فنظر فيها كلها ثم تأملني، ونظر إليها ثم قال -وأشار إلى أحمد-: أما هذا فآدب من أن يفعل مثل هذا، وأما أنت فلا تفعلن، وليس هذا إلا من عمل هذا، ثم رفس يحيى رفسة رماه إلى أسفل السرير، وقال: عليّ تعمل! فقام إليه يحيى وقَبَّلّه، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، مثلك من يُحدّث، إنما أردت أن أجربك."

ولعل هذه القصة دليل واضح على استخدام المحدثين للتحليل التجريبي بغية الوصول إلى أحوال الرواة، وقد استخدم فيها التلقين وسيلة لذلك.

وهكذا يظهر وبوضوح أن التحليل التجريبي عنصر مهم من عناصر المنهج التحليلي المستخدم لدى الأئمة النقاد للوصول إلى الأحكام الصحيحة على الرواة، وقد برع المحدثون في استخدامه، بل وأنشأوا علوماً تساعدهم على إتقانه، علم التلقين، وعلم القَلْب.

وهناك أنواع أخرى من التحليل، كتحليل الوثائق، وتحليل صيغ الأداء والتلقي، وتحليل سلوكيات الراوي، وغيرها مما أعرضنا عنه خشية التطويل، وإنما اقتصرنا على ذينك النوعين لتمام التشابه بينهما وبين أنواع التحليل عند علماء المناهج.

ثالثاً: المنهج المقارن

1. التعريف بالمنهج المقارن عند أرباب المناهج العلمية في العصر الحديث:

المقارنة في اللغة مصدر من الفعل الرباعي المزيد قارن يقارن مقارنة، وأصلها ثلاثي من الفعل قَرَن. وتأتي بمعنى المصاحبة والملازمة.

أما في الاصطلاح فإن المقارنة هي: العملية التي يقوم فيها الباحث ببيان أوجه الاتفاق والتشابه أو الاختلاف والتعارض بين القضية أو القضايا موضوع البحث.

ومنهج المقارنة من المناهج الأصيلة في الفكر البشري، وهو من المناهج التي لم تدرس بشكل معمق، بل إن كثيراً ممن تكلموا عن المناهج أغفلوا هذا المنهج، مع أن المقارنة فطرة بشرية، فضلاً عن أنها منهج أصيل في الفكر السليم، فالإنسان بطبعه يقارن بين الأشياء ويوازن، حتى يستطيع بعد ذلك أن يتخذ قراره الصحيح.

وهذا المنهج أصيل في العمل النقدي لدى المحدثين، بل إنَّ بعض العلماء قد جعل عمل المحدثين يقتصر على ذلك، كما فعل الأعظمي في كتابه منهج النقد، وهو يقوم على مجموعة من الأدوات التي تخدم هذه المنهج وتسهم في تفعيله.

وتنقسم المقارنة إلى نوعين: المقارنة العامة، والمقارنة الخاصة. ولا بدّ من توفر شرطين اثنين حتى تكون المقارنة علمية، وهما:

- الاشتراك؛ إذ ينبغي للقضيتين أو القضايا الخاضعة للمقارنة أن تعرف الإشكال نفسه، سواء على المستوى المنهجي أو المستوى الموضوعي. وذلك كالمقارنة بين منهجَيْ مفسرين، أو بين منهجي محدثَيْن، فلا بدّ من وجود الأساس الذي تبنى عليه ركائز المقارنة في كل أجزاء الموضوع التي يتركب منها؛ إذ لا يعقل مثلاً أن نبحث عن مقارنة بين الأصوليين والمحدثين في استعمال القياس؛ لأنَّ أحد جانبي المقارنة مفقود وهو القياس عند المحدثين.

- المقابلة التزامنية: ففي الوقت نفسه الذي يذكر فيه مثلاً السالب هنا يورد الموجب هناك، لإبراز وجه التقابل في الوقت ذاته، وذلك أشبه ما يكون بعمل المحقق الذي يقابل النسخ الخطية فيورد عنها ملاحظات تزامنية، فهو يورد الاختلافات الحاصلة بين النسخ في موضعها المناسب، ولا يصح أن يجمع كل اختلافات النسخ في موضع واحد، ويتحدث عنها معاً في وقت واحد.

2. استخدام المحدثين للمنهج المقارن:

سنكتفي هنا بأنموذجين لاستخدام المحدثين لهذا النوع من المناهج، أحدهما يبين استخدامهم للمقارنة على صعيد الرواة، والآخر يوضح استخدامهم للمقارنة على صعيد المرويات.

- الأنموذج الأول: المقارنة بين مرويات الشيوخ

يعمد النقاد إلى حديث من يريدون تبيّن حاله فيعارضونه بحديث الثقات الحفاظ، لينظروا أيوافقهم أم يخالفهم، فإن وافقهم في أغلب حديثه، ولو من حيث المعنى، حكموا بأنه ضابط لحديثه، ولا تمنع المخالفة النادرة من وصفه بذلك -وإن كان حديثه الذي خالف فيه مردوداً بحد ذاته-، وإن لم يوافقهم وغلبت عليه المخالفة فهو الذي ترد روايته.

يقول ابن الصلاح: "يعرف كون الراوي ضابطاً بأن نعتبر روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة -ولو من حيث المعنى- لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطاً ثبتاً، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نَحْتَجَّ بحديثه."

وهذا الذي نتحدث عنه قد يولّد إشكالاً في نفوس بعض الناس، فكيف يحكم النقاد على حال الرواة اعتماداً على المقارنة، وهذا الراوي الذي يُقارَن به كيف ثبت أنه أصل يقارن به أولاً، حتى صار يقارن حفظ غيره بحفظه؟ والجواب: أن الأئمة النقاد جعلوا الشيوخ المتفق على حفظهم وإتقانهم لمروياتهم أساساً للمقارنة، وذلك بعد أن درسوا أحاديثهم فوجدوها موافقة لأحاديث غيرهم من الشيوخ.

وبعبارة أخرى: فإن المحدثين قاموا بعملية مقارنة لمرويات كل شيخ على حدة، ثم وسّعوا الدائرة شيئاً فشيئاً، فمن وجدوا أنه يوافق الأغلب من التلامذة جعلوه أصلاً يقارَن به، ومن وجدوه يكثر من المخالفة لم يولوه هذه الرتبة. وهذا ليس على إطلاقه، فقد يجدون أن بعض كبار المتقنين قد أخطأ في شيخ معين أو زمان معين أو مكان معين، ولذلك أخرجوا هذا الصنف من دائرة أن يكون أصلاً يقارن به في هذه الحالات الخاصة.

أما أن يكون مصدر كونه أصلاً لأن يقارن به نابعاً من موافقته للأصول الثابتة، كالقرآن، أو السنة الثابتة، أو المقاصد والأصول الشرعية، فهو أمر بعيد؛ لأن كثيراً من الأحاديث التي تروى وهي موافقة للكتاب أو السنة مردودة عند المحدثين، بل إن مبدأ عرض السنة على بقية مصادر التشريع من الأمور المرفوضة عند المحدثين، فضلاً عن أن تصير الموافقة للأصول سبباً لاعتلاء أصحابها أعلى الرتب النقدية.

وقد ألمح ابن أبي حاتم في تقدمة كتابه الحافل (الجرح والتعديل) إلى هذه الفكرة، فقام بترجمة واسعة لكبار المحدثين من أمثال: شعبة، والسفيانين، وابن المبارك، ومالك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المديني، ليشير إلى أن هؤلاء هم المراجع التي يصار إليها عند الاختلاف، وبهم يقاس غيرهم.

وقد سبقه إلى هذه الإلماحة مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، فقام بترتيب أحاديث كتابه وفق وثوقية الرواة، فمن كان أوثق جعله أولاً، ومن جاء بعده في الحفظ والوثوقية جعله تالياً، وكثيراً ما كان يقدم الأوثق، ثم يثني بمن يوافقه بعده، مشيراً إلى أن هذه الموافقة تنفعه في بيان ثقته أيضاً؛ إذ موافقة الثقات هي المقياس الأساس في الحكم على الرواة.

وهذا المنهج المقارن الذي تحدث عنه ابن الصلاح من المناهج الأصيلة التي أرسى قواعدها الأئمة النقاد، منذ أول عهدهم بالعملية النقدية. وقد بيّن التزامهم بذلك إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين، فقد سأله إسماعيل بن علية: "كيف حديثي؟ قال: أنت مستقيم الحديث، قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة، قال: فقال: الحمد لله." وقد أكد على هذا المنهج بقوله: "ربما عارضت بأحاديث يحيى بن يمان أحاديث الناس، فما خالف فيها الناس ضربت عليه، وقد ذكرت لوكيع شيئاً من حديثه عن سفيان، فقال وكيع: ليس هذا سفيان الذي سمعنا نحن منه."

ولقد كان المنهج المقارن سائداً بين كل من الشيوخ والتلاميذ، حتى لقد جَرَّأتْ شهرةُ هذا المنهج وانتشاره بعضَ التلامذة أن يعترضوا على مشايخهم، فيردوا عليهم ما يرون أنه يخالف ما رواه غيرهم من الثقات. ولم يكن فعلهم هذا موضع استهجان أو قدح من أحد، فهذا سفيان بن عيينة يروي حديثاً سمعه من الزهري قال: أخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها أنه سمعها تقول: "جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله "، فلا ينتظر أحد السامعين من التلامذة حتى ينتهي الشيخ من الإملاء، بل يبتدره معترضاً بأن مالكاً لا يرويه عن الزهري، إنما يرويه عن المسور بن رفاعة، فيرد سفيان بأنه قد سمعه من الزهري.

وإذا لاحظنا كثرة رواة الحديث؛ شيوخاً وتلامذة من جهة، والروابط العلمية التي كانت تجمعهم من جهة أخرى، استطعنا أن ندرك بسهولة مقدار الجهد العظيم الذي بذله النقاد في عمليات المقارنة التي كانوا يقومون بها.

- الأنموذج الثاني: مقارنة رواية راوٍ لحديث واحدٍ في أزمنة مختلفة

يستدل النقاد على حفظ الراوي وضبطه بثباته على صفة واحدة في الرواية، فإن من ثبت على صفة واحدة في الرواية فهو الثبت الحجة، كما يستدلون على ضعف الراوي وتخليطه باضطرابه في رواية الحديث الواحد، فإن رواه مرةً موصولاً، ومرةً أخرى مرسلاً، وتارة وقف به على صحابيه، أو رواه تارة عن شيخ، وتارة أخرى عن شيخ آخر، وغير ذلك من أوجه الاضطراب، فهو المضطرب، وقد يستدلُّون بهذا الاضطراب على كذبه أو ضعف حفظه، حسب ما يحتف بالمسألة من قرائن.

وإنما يتوصل النقاد إلى أن الراوي ثابت في روايته للحديث الواحد على صفة واحدة، وإن تعددت الأزمنة، أو أنه مضطرب يرويه تارة على وجه وأخرى على وجه آخر، إنما يتوصلون إلى ذلك بمقارنة المروي نفسه في أزمنة مختلفة.

واستعمال النقاد لهذا النوع من المقارنة ينسجم مع مقتضيات العقول السليمة، فإنَّ العقل السليم يقضي بأنَّ من يُحَدِّث بحديث واحدٍ في أزمنة مختلفة، ينبغي أن يسوقه سياقة واحدة في كلا الزمنين، وعُدّ فعله-بذلك- ضرباً من ضروب الكذب، إلا إن كان لديه سبب سائغ لذلك.

ولعل أول حادثة وصلتنا تحكي استخدام هذا المنهج ما رواه عروة بن الزبير عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقد روى الإمام مسلم بسنده إلى عروة بن الزبير قال: "قالت لي عائشة: يا ابن أختي، بلغني أن عبد الله بن عمرو مارٌ بنا إلى الحج، فالقه فسائله، فإنه قد حمل عن النبي  علماً كثيراً. قال: فلقيته فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله . قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي  قال: "إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعاً، ولكن يقبض العلماء، فيُرْفَع العلم معهم، ويبقي في الناس رؤوساً جهالاً، يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون." قال عروة: فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته، قالت: أحدَّثَك أنه سمع النبي  يقول هذا، قال عروة: حتى إذا كان قابل قالت له: إن ابن عمرو قد قدم، فالقه، ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم. قال: فلقيته فساءلته، فذكره لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى. قال عروة: فلما أخبرتها بذلك، قالت: ما أحسبه إلا قد صدق، أرَاه لم يزد فيه شيئاً ولم ينقص."

فقد استدلت عائشة رضي الله عنها على متانة حفظ عبد الله بن عمرو  بمقارنة حديث واحد في سنتين، فكان إيراده للحديث نفسه، بالسياقة نفسها في زمنين دليلاً على تثبته.

ولم يكن استخدام هذا المنهج حكراً على السيدة عائشة رضي الله عنها، بل لقد استخدمه حتى من لم يكن من الأئمة النقاد، فهذا مروان بن الحكم يمتحن الصحابي الجليل أبا هريرة ، فيسأله عن أحاديث سبق له أن سأله عنها قبل عام، ليرى أيثبت أم يتلَوّن. روى أبو الزعيزعة، كاتب مروان بن الحكم، "أن مروان دعا أبا هريرة، فأقعدني خلف السرير، وجعل يسأله، وجعلت أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول، دعا به، فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك، فما زاد ولا نقص، ولا قدّم ولا أخّر."

ومن ذلك أيضاً "أن هشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يملي على بعض ولده شيئاً من الحديث؟ فدعا بكاتب، فأملى عليه أربعمائة حديث، فخرج الزهري من عند هشام، فقال (أي هشام): أين أنتم يا أصحاب الحديث، فحدثهم بتلك الأربعمائة. ثم لقي هشاماً بعد شهر أو نحوه، فقال للزهري: إن ذلك الكتاب قد ضاع، فقال: لا عليك، فدعا بكاتب، فأملها عليه، ثم قابل هشام بالكتاب الأول فما غادر حرفاً واحداً."

وهذا شعبة بن الحجاج يشير إلى هذا المنهج فيقول: "ما رويت عن رجل حديثاً واحداً إلا أتيته أكثر من مرةٍ. والذي رويت عنه عشرة أحاديث أتيته أكثر من عشر مرارٍ. والذي رويت عنه خمسين حديثاً أتيته أكثر من خمسين مرةٍ. والذي رويت عنه مئة حديثٍ أتيته أكثر من مئة مرةٍ، إلا حَيَّان البارِقِي، فإني سمعت منه هذه الأحاديث ثم عدت إليه فوجدته قد مات." وما هذا العود وتكرار المجيء على الرواة، إلا ليتأكد من ثباتهم أو يطلع على تغييرهم وتبديلهم.

قال سفيان: "رأيت شعبة في صحراء عبد القيس، فقلت: أين تريد؟ قال: الأسود ابن قيس، أستثبته أحاديث سمعتها منه."

ومن هنا ندرك أهمية منهج مقارنة مرويات الراوي الواحد في أزمنة مختلفة؛ إذ إن هذه المقارنة هي السبيل الوحيد لمعرفة ثبات الرواة أو اضطرابهم، ولولاها لما استطاع النقاد بيان رتب الرواة في هذا المجال، ولما استطاعوا معرفة ثبات الراوي من اضطرابه.

رابعاً: المنهج الاستقرائي

1. التعريف بالمنهج الاستقرائي عند أرباب المناهج العلمية في العصر الحديث:

الاستقراء في اللغة يأخذ أحد معنيين: القصد نحو الشيء، والتتبع. أما الاستقراء في الاصطلاح فإن تعريفه يظهر من خلال النظر في أنواعه، وهو في نوعين: الاستقراء التام والاستقراء الناقص.

فالاستقراء التام، هو الذي يقوم على استقراء جميع الجزئيات التي يتوصل منها إلى القانون العام أو المبدأ الكلي الذي يشملها. وهو استقراء يقيني لأنه يقوم على استقراءٍ لكل جزئيات موضوع البحث، سواءً كانت هذه أجناساً أو أنواعاً أو أفراداً. أما الاستقراء الناقص، فهو الاستقراء الذي يقوم على تتبع بعض الجزئيات فقط، والانتقال من الحكم عليها إلى حكم كلي يتناول النوع أو الجنس الذي تندرج تحته هذه الجزئيات، فهو انتقال من معرفة جزئية إلى معرفة كلية عن طريق التعميم. وهذا الاستقراء استقراء غير يقيني، لأنه لا يقوم بدراسة كل الجزئيات وإنما يدرس بعضها ويعمم الحكم على بعضها الآخر.

2. نماذج من استخدام المحدثين للمنهج الاستقرائي:

- الأنموذج الأول: استقراء تلامذة الراوي

لا بد للناقد لكي يحكم حكماً دقيقاً على الراوي من أن يقوم بمسح شامل واستقراء تام لتلامذة الراوي، فذلك هو الطريق الوحيد للحكم على ضبطه، فإذا ما قام بهذا الاستقراء، وتحصّل عنده بعده إحصاء دقيق لكل تلامذته، استطاع بعد ذلك أن ينتقل إلى الخطوة التالية في العملية النقدية.

وقد كان النقاد يقومون بهذا الاستقراء، ويتحرَّوْن فيه الاستيعاب، عن طريق الحصر وضبط العدد. ومن أمثلة ذلك ما ذكره عبد الله بن أحمد قال: "أملى علي أبي، فقال: هذه تسمية من روى عن عمر بن الخطاب من أهل مكة. ثم عدهم فبلغوا: خمسة تلامذة، ثم قال: ومن أهل المدينة، فعدهم فبلغوا: ستةً وخمسين تلميذاً. ثم قال: ومن روى عن عمر من أهل البصرة، فعدهم فبلغوا: خمسة وأربعين تلميذاً. ثم ذكر تلامذة عثمان وعلي رضي الله عنهم جميعاً."

ولاستقراء تلامذة الراوي فوائد عدة، وهي ذات صلة وثيقة بالعملية النقدية، ومن هذه الفوائد: اكتشاف كذب بعض التلامذة على بعض الشيوخ. وزوال الجهالة عن الشيخ أو ثبوتها. وتصنيف تلامذة الشيخ على مراتب. ومعرفة الاتصال والانقطاع في أحاديث الرواة.

ولكل هذه الفوائد أمثلة وأدلة كثيرة من عمل المحدثين لا يتسع المقام لسردها.

- الأنموذج الثاني: استقراء مرويات الراوي

استقراء مرويات الراوي من مهمات عمل الناقد التي ينبغي أن يوليها مزيد عناية واهتمام؛ لأن الناقد يتوصل إلى نتائج مهمة ذات صلة وثيقة بالحكم على الراوي من خلال عدد المرويات.

واستقراء النقاد لمرويات الرواة يدور في إطارين اثنين: استقراء عام لكل مرويات الراوي، واستقراء خاص لنوع معين من المرويات.

ففي الإطار الأول يقوم الناقد بمحاولة استيعاب مرويات الراوي -محل البحث- جميعها. وكثيراً ما كانت تصدر أحكامهم بعد هذه العملية الاستقرائية على شكل أرقام محددة، فيقولون: فلان روى كذا حديثاً، ولم يرو فلان إلا كذا من الأحاديث، وغيرها من هذه العبارات المشابهة. وما ذاك إلا لأنهم قاموا بهذه العملية الاستقرائية لمرويات الراوي، فأنتجت أبحاثهم هذه الأعداد الدقيقة.

ومن الأمثلة على ذلك:

- قال وكيع عن يزيد بن أبي صالح: "كان دباغاً، وكان حسن الهيئة، عنده أربعة أحاديث."

- قال ابن الجنيد ليحيى بن معين: "آدم بن علي وجبلة بن سحيم عندك واحد؟ قال: آدم ثقة، وجبلة ثقة، وما أرى يُروى عن كليهما عشرون حديثاً."

ففي هذين المثالين استقرأ النقاد جميع أحاديث الرواة محل البحث، ثم صرحوا بعدد مرويات كل منهم. وهي وإن اقتصرت في النتيجة التي صُرِّح بها على ذكر إحدى نتائج البحث –وهي ذكر عدد المرويات- إلا أنها دليل على أن الناقد قد قام بعملية استقراء تامة لكل المرويات، ولا بد أنه قد قام أيضاً بمقارنة هذا الكل بمرويات الثقات المتقنين، ومن ثم فإن حكمه على الراوي نابع عن إدراك كلي لجوانب موافقة الثقات أو مخالفتهم، وهذا ما يعطي هذا الإحصاء لمرويات الراوي أهمية بالغة.

أما في الإطار الثاني، وهو استقراء خاص لنوع معين من المرويات ففيه يتوجه عمل الناقد إلى نوع مخصص من مرويات الراوي محل البحث، فقد يتوجه عمل الناقد إلى مروياته عن شيخ معين، أو مروياته عن شيخ معين بكيفية معينة، وقد يتوجه عمله إلى استقراء روايات الرواة لحديث بعينه. وهو يبغي من وراء ذلك إما معرفة ضبطه عن شيخ بعينه، بعيداً عن حكمه العام، وقد يبغي الكشف عن حكم الحديث الذي يجمع طرقه.

والبحث في هذا الإطار من ضرورات العمل النقدي عند المحدثين، ولا يغني الحكم العام عن الحكم الخاص شيئاً، فرب راوٍ أتقن حديث شيخ وغلط في غيره من الشيوخ، ورب راوٍ ضُعِّفَ في شيخ مع ثقته وجلالته في باقي الشيوخ.

وقد اشتهر عند المحدثين استقراء حديث التلامذة عن شيخهم، حتى إذا أرادوا معرفة صدق تلميذ من كذبه سألوه عن عدد مروياته عن شيخ يشتركون معه في الأخذ عنه، فإن جاء بعدد موافق لما عندهم عدوا ذلك قرينة صدقه، وإلا كذبوه، ومن ذلك أن أبا داود قال: "كان داود [أي ابن أبي هند] دخل البصرة، كان داود سئل: كم حدّث أيوب عن عكرمة؟ كم حدّث خالد عن عكرمة؟" ثم علّق على ذلك قائلاً: "يعني يخرج كما أخرجنا." فجعل ذلك دليل صدقه في سماعه عن شيوخه المذكورين. ولو لم يكن قد استقرأ السائل والمسؤول عدد مرويات الشيخ لما كان للسؤال عن عددها أي فائدة.

وكثيراً ما كان النقاد يعبّرون بشكل عددي عن مرويات فلان عن شيخه الفلاني، ومن أمثلة ذلك:

- قال العقيلي: "عند ابن عيينة عن بُرَيْد أربعة أحاديث: "مثل الجليس الصالح"، و"المؤمن للمؤمن كالبنيان"، و"اشفعوا إلي لتؤجروا" و"الخازن الأمين"، ليس عنده غيرها. أي غير هذه الأربعة."

- قال أحمد: "سمع عباد بن العوام من ابن أبي نجيح حديثاً واحداً، وسمع من واصل مولى أبي عيينة حديثاً واحداً."

ففي هذين المثالين توجه عمل الناقد إلى استقراء مرويات الراوي عن شيخ بعينه. الأمر الذي يساعده في تصنيف الرواة وفق طبقات، كما يساعده في الكشف عن أخطاء الرواة فيما إذا حدَّث أحدهم عن هذا الشيخ ما ليس من حديثه.

وبهذا يظهر جلياً استخدام المحدثين للاستقراء في أبحاثهم، بل وقيام أبحاثهم على هذا المنهج وأخويه.

خاتمة:

بعد أن طوَّفنا في رحلتنا في إثبات أسبقية العمل النقدي عند المحدثين في مجال المنهجية العلمية، لا بدّ من أن نبيِّن أنَّ التزام النقَّاد بهذه المناهج أمر تقتضيه طبيعة أبحاثهم النقدية؛ إذ لو خلَتْ أبحاثهم من ذلك لكانت تشهياً وهوى، أكثر منها بحثاً علمياً، وما يسلِّم به العدو قبل الصديق من أن العكس هو الصحيح فيه، فلا الهوى هو الحاكم ولا التشهي هو المرجع، بل الوصول على الحق والصواب، ولولا ذلك لما وجدنا الناقد يطعن في أبيه وأخيه وعشيرته التي تؤويه، إن كان ذلك هو حاصل ما أوصلته أبحاثه إليه، وهذا يعطي العملية النقدية لَبوساً مهيباً من الوثوقية ترقى إلى مراتب اليقين، أو تكاد.

ونستطيع من خلال هذه الدراسة أن نستنتج أنَّ المحدثين كانوا سباقين في استخدام مناهج البحث في دراساتهم، وكانت أبحاثهم في الجرح والتعديل في ميدانه التطبيقي ملتزمة بذلك، وهم بذلك يُعَدُّونَ أولَ من أسس لهذا العلم؛ الأمر الذي ينقض دعوى السبق الغربي في ابتكار علم المناهج؛ إذ وجدنا أن المحدثين كانوا يلتزمون منهجية البحث العلمي في دراساتهم، قيل ظهور (بيكون) ودوره في صوغ المناهج.

وهذا الذي سبق أن قرَّرْناه لا يعني أن هذه المناهج كانت تُدرَّس في أسسها النظرية كما هو الحال اليوم، فذلك ما لم يكن، بل لم يكن من المسلمين أي التفات لذلك، فالمسلمون كانوا يُخضِعون أبحاثهم لمعايير المنهجية العلمية، وكانت أفكارهم مبنية على أسس منهجية، وكان ذلك يظهر في الحقل التطبيقي، إدراكاً منهم أنَّ أيَّ عَمَل عِلْمي جاد يجب أن يكون كذلك، وكانوا يدركون ذلك، دون حاجة للحديث عن أمر كان شائعاً معروفاً.

أما في العصر الحاضر الذي كثرت فيه الأهواء والأغراض الدنيوية، وشاب الفكرَ الإنساني لوثةٌ مادية، وهبط مستوى الوعي الإنساني إلى الحضيض، فإنَّه لا بدّ من إزاحة الغبار الذي غطى معالم الطريق الصحيح، وأول خطوة في ذلك تنبيه العقل إلى ضرورة السير وفق القواعد المنهجية، لتكون النتائج التي تصدر عنه بعد ذلك ذات بعد علمي موضوعي بحت، وهو ما برع فيه الغربيون في عصرنا هذا.

كما ينبغي التنبيه إلى أنَّ ادعاء السبق المنهجي عند المحدثين، لا يعني أن هذه المناهج كانت تحمل ذات الأسماء المعروفة اليوم، فهذا ادعاء غير صحيح؛ إذ كانت عملية التحليل تتم، دون أن يكون لها اسم مفرد، وكانت المقارنة تسمى المعارضة أو المقابلة أو السبر. أما الاستقراء فإن المتأخرين قد عرفوه باسمه الصريح، فكان يقال: فلان من أهل الاستقراء، بخلاف المتقدمين الذين كانوا ربما عبروا عنه بالجمع أو التتبع.

وانطلاقاً من هذه النتائج وروماً لتعميم الفائدة، لا بد من أن ينتهي البحث إلى التوصية بضرورة إفراد بحث خاص في مناهج المحدثين في قبول الأحاديث، وذلك بالتركيز في البحث على هذه المناهج، وبيان ميادين عملهم المنهجي؛ لأن الحكم على الحديث اعتماداً على هذه المناهج من أساسيات عمل المحدثين، وما أنواع الحديث كالشاذ، والمنكر، والمضطرب، والمدرج، والمصحَّف، وغيرها، إلا نتيجة لتطبيق هذه المناهج، مع الإشارة إلى أنَّ هذا الجانب لم يحظ بعناية الباحثين رغم أهميته البالغة، لصلته الوثيقة بآليات الكشف عن أحكام الأحاديث، ولصلته بجانب السبق والإبداع الذي اتصف به عمل المحدثين، وما كُتِب في هذا الجانب لم يرق إلى المستوى المطلوب.

كما أنه من الضرورة بمكان تصميم الدراسات التي تتحدث عن شخصيات حديثية معينة وفق هذه المناهج؛ ففي دراسة منهج إمام من الأئمة، في كتاب من كتبه، لا ينبغي الاقتصار على المنهج الإجرائي الذي سلكه في كتابه، بل لا بد من إيضاح الخطة الفكرية والمنهج العلمي الذي أوصله إلى نتائجه التي صدرت عنه، وهذا يعمِّق ما نرجوه من التأصيل لفكرة العمل المنهجي عند المحدثين، بخلاف الاقتصار على السرد للنواحي الإجرائية في عمل الإمام، فإنها قد توهم خلاف المقصود.

page 1